الصفحة 139 من 194

مسألة: متى يكون الإكراه ملجئًا

وهذه القضيّة اختلف العلماء فيها اختلافًا كبيرًا، وأجمعوا على بعض الأمور أنّها من الإكراه الملجئ (كالقتل، وبتر الأعضاء، والتحريق، والتغريق، والجلد الشديد الذي يؤدّي إلى التلف) ، واختلفوا في بعض الأمور في كونها إكراهًا ملجئًا أم لا، (كالسجن، والأذى المقبول، والقيد، والتعذيب بالماء) قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكرَه عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد ولا يكون الكلام إكراها"ففرق بين أن يُكره إنسانًا على بيع ما لا يريد بيعه فلو كان الإكراه بسيطًا ورضخ هذا الرجل للبيع، ثم اشتكى إلى القاضي فيقبل القاضي هذا الإكراه، وبين أن يُكره على الكفر، فهنا لا يقبل أي نوع من الإكراه، لأنّ كلّ إنسان مسلم لا بدّ أن يُؤذى في دينه، والله تعالى قال {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} ، وقال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ، فالله تعالى بيّن إلى أنّه لابُدّ للمسلم أن يؤذى في دينه، وقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} فهم يتواصوا بالصبر لأنّهم سيؤذون في سبيل هذه الدعوة، وبالتالي علهم أن يتصبّروا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) .

فكما قال شيخ الإسلام، فالإكراه في البيع والشراء والهبة والطلاق ليس كالإكراه في أمر الكفر والإيمان، كذلك باختلاف الشخص، فقد يكون الإنسام المكرَه مريض قلب، فهذا قد يقتله الأذى الخفيف، بخلاف الشاب الكامل الصحة الذي قد يحتمل الكثير من الأذى الجسدي، وقد يكون أحد الأشخاص يحتمل الضرب ولا يحتمل السجن، وآخر لا يحتمل السجن ولكن يحتمل الضرب، وقد تختلف بالنسبة للشخص نفسه، فقد يكون في حالة فيها إيمانه عال فيحتمل الكثير من الأذى، أو قد تختلف باختلاف سنّه وحالته الصحيّة، وكذلك المرأة ليست كالراجل، في احتمال أنواع الإكراه المختلفة، والمرأة قد يتم تهديدها في شرفها وهذا بحقّها قد يعتبر إكراها، وجاء عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال"لَيْسَ الرَّجُلُ بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إذَا سُجِنَ أَوْ أُوثِقَ أَوْ عُذِّبَ"وقال:"أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ كُرْهٌ: السِّجْنُ وَالضَّرْبُ وَالْوَعِيدُ وَالْقَيْدُ".

فالصحيح أن الإكراه الملجئ لا حدّ له، والإنسان إذا بلغ الدرجة التي لا يستطيع تحمل الأذى فيها، فهنا يعتبر في حقّه إكراهًا ملجئا، فالله تعالى قال: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} ولم يحدد نوع الإكراه.

فائدة: البعض يقول أنّ الشريعة جاءت بتقديم الدين على النفس، فلماذا في حالة الإكراه نقدّم النفس على الدين، لكن في حقيقة الأمر أنّ الأخذ بهذه الرخصة هو لأجل الدين، وذلك لسببين:

1 -إذا أخذ المسلمين دائمًا بالتصلّب، فهذا يؤدّي إلى فناء أهل الدعوة، فكيف تقوم للدين قائمة، وأهل الدين كلهم قد يكونوا قد قتّلوا وعذّبوا في زمن حكم الطواغيت، ولذلك هاجر أهل الكهف هربًا بدينهم.

2 -الإيمان يبدأ من القلب، وهناك تلازم بين الظاهر والباطن، قال صلى الله عليه وسلم: (لا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب) ، فإن استمر بالتصلّب واستمر الضغط عليه، فقد يصل به الحال إلى أن يتزلزل من الداخل أو أن يتسخّط - والعياذ بالله-، ونبّه الله تعالى على هذا الأمر، قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} ولذلك هو عندما يأخذ بهذه الرخصة فهو يحفظ إيمانه الذي في الداخل، لأنّه إذا استمر عليه الضغط قد يتحوّل إلى كافر حقيقي وينشرح صدره بالكفر.

لذلك هذه الرخصة لا تتعارض مع القاعدة التي تقول أنّ الدين مقدّمًا على النفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت