الصفحة 129 من 194

والخلاصة أنّ هذا الاصطلاح مقبول، لكن فيه انتقاد، لأنّ الشريعة لا يوجد فيها معنى باطن أو خفي، وإنّما هي معانٍ ظاهرة.

التأويل المعتبر: هو رفع الأثر المترتّب على قول أو فعل الكفر، بسبب الخطأ في فهم الحجّة الشرعيّة.

وأطلقنا عليه اسم تأويل، لأنّ الفاعل له يقوم بصرف الحجّة الشرعيّة عن ظاهرها المتبادر إلى الذهن.

مثال: شخص يقول في الآية الكريمة {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} فيقول كلمة اجتنبوه لا تعني لا تشربوه، فهذه الكلمة تدل على الحذر، فقد يكون معناها أنّه يجوز أن نشرب لكن بحذر. فهو بهذه الحالة صرف المعنى المتبادر إلى الذهن إلى معنى آخر، فهذا الانتقال هو عمليّة تأويل.

التأويل في مسائل الأصول

مسائل الأصول، الأصل فيها أنّها ظاهرة، وأدلّتها قويّة، إمّا أنها قطعيّة الثبوت قطعيّة الدلالة، أو قطعيّة الدلالة ظنّيّة الثبوت، أو ظنّية الدلالة قطعيّة الثبوت، ولذلك هي أصول، فالتأويل فيها غير مقبول وغير سائغ، فهناك قاعدة تقول"لا اجتهاد في مورد النص"، أي عندما يكون النص قطعي الدلالة، فلا مجال للاجتهاد، فالتأويل يسوغ عندما تكون المسألة ظنّيّة (أي في الفروع) ، وهذا للمجتهد فيه أجر.

مع ذلك، فإنّ لهذا التأويل شبهة تمنع من تحقق وصف الكفر في صاحبه، ولهذا أُطلق عليه تأويلًا معتبرًا، ولم تقل تأويلًا سائغًا أو مقبولًا، فلا يوجد تأويل سائغ في الأصول، ولا يوجد مجال للاجتهاد فيها، ففي الأصول لا نقول"اجتهد فأخطأ، بل نقول"أخطأ فاجتهد"أي أخطأ في فهم المسألة فاجتهد فيها، لأنّ مسائل الأصول نصيّة فالواجب فيها الاتّباع لا الاجتهاد،"

شروط التأويل المعتبر

حتّى نقول بأنّ التأويل معتبر، هناك أربعة شروط:

1 -لا يكون التأويل في أصل الدين: لأنّ أصل الدين لا يقبل التأويل، فهذا يؤدّي إلى القضاء على معنى الإسلام، فإذا قبلنا التأويل هنا، سنقبل تأويل اليهود والنصارى والمشركين، فكل منهم لهم تأويل، فاليهود مثلًا تأوّلوا {قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} ، والنصارى تأوّلوا وظنّوا أنّ أحبارهم ورهبانهم يجوز لهم أن يشرّعوا لهم من الدين ما يشاءون، فقال الله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، والمشركين تأوّلوا في النسيء، فقالوا نؤجّل حرمة الشهر المحرّم إلى شهر آخر، فقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} ، كذلك بعض الباطنيّة يقولون (لا اله إلّا الله) معناها لا علي إلّا الله.

فلو قبلنا التأويل في أصل الدين لقبلنا تأويلات هؤلاء.

2 -لابدّ له من شبهة من العلم أو اللغة: فلابد أن يأت بدليل من التاب أو السنّة أو اللغة العربيّة، لهذا اعتبرنا تأويل من قال بأنّ اليد تعني القدرة، لأنّ العرب يطلقون كلمة اليد على القدرة، كقول"فلان في يدي"أي تحت سيطرتي، فهناك شبهة لغويّة فيها، كذلك من قال بنكاح المتعة، فتأويله معتبر لأنّ هذا النكاح كان مباحًا في أول الإسلام ثم نُسِخ.

3 -قرينة من سلوك المتأوّل ومن قصّة الحادثة، تُبَيّن صدقه بالتأويل: أي أنّ هذا المتأوّل، لا يكون معروفًا عنه أنّه صاحب هوى وشهوة، فلو تأوّل شخص إباحة شرب الخمر ولم يكن يشرب الخمر من قبل، فهذا تأويله يُعتبر، أمّا لو كان مبتلى بشرب الخمر فلا نقول بأنّ تأويله معتبرا، فالله تعلى لم يقبل تأويل المنافقين، قال: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} .

4 -أن يعتقد أنّ فعله مباح أو طاعة: فيجب عليه أن يكون معتقدًا على الأقل بإباحة فعله، لكن لو علم أنّ فعله معصية، فلا يُعتبر تأويله، مثال: رجل ترك الصلاة، وقال بأنّ ترك الصلاة مباح، فهذا قد يكون تأويله معتبرًا (بالنظر إلى الشروط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت