الأخرى)، لكن لو قال بأنّ ترك الصلاة معصية ولكنّها ليست كفر، فهنا لا يكون تأويله معتبرًا، فالقاعدة تقول"من علم السَّبب لزمه المُسَبَّب، سواءً علم المسَبَّب أم لم يعلمه".
الأدلّة على موضوع التأويل
هناك أدلّة عامّة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، وقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} ، وهذه قد تُحمل على الفروع، أمّا الأصول فلها أدلّة من السنّة، مثل:
قصة مانعي الزكاة
ومانعي الزكاة في عصر أبو بكر الصدّيق، كفّرهم أبو بكر الصدّيق، لكن في البداية لم يكفّرهم الصحابة، لأنّه كان لهم تأويلا معتبرا، فناظروهم وأقاموا عليهم الحجّة، فمن لم يرجع منهم إلى الحق كفر.
وهؤلاء في ذاك الزمن كان تأويلهم معتبرا، وتنطبق عليه الشروط الأربع:
1 -ليست مسألة في أصل الدين وإنما تفصيليّة
2 -لهم شبهة، قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ، فقالوا الأمر في الآية الكريمة كان للنبي صلى الله عليه وسلم، فنحن مأمورون أن نعطي الزكاة له، وإنّه كان يعطينا بدلًا عنها التطهير والتزكية والصلاة علينا، وعندما توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نعطيها لأحد بعده.
3 -لهم قرينة من سلوكهم، فقد كانوا يؤدّون الزكاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يمتنعوا من قبل عنها.
4 -يعتقدون أنّ فعلهم مباحا
لكن شبهتهم ضعيفة، قال ابن العربي:"أَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ غَيْرُهُ فَهُوَ كَلَامُ جَاهِلٍ بِالْقُرْآنِ غَافِلٍ عَنْ مَأْخَذِ الشَّرِيعَةِ مُتَلَاعِبٍ بِالدِّينِ، فَإِنَّ الْخِطَابَ فِي الْقُرْآنِ لَمْ يَرِدْ بَابًا وَاحِدًا وَلَكِنِ اخْتَلَفَتْ مَوَارِدُهُ عَلَى وُجُوهٍ، فَمِنْهَا خِطَابٌ تَوَجَّهَ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ كَقَوْلِهِ:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ"وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ} وَنَحْوِهِ. وَمِنْهَا خِطَابٌ خُصَّ بِهِ وَلَمْ يَشْرِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى كَقَوْلِهِ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ} وقوله: {خالِصَةً لَكَ} . وَمِنْهَا خِطَابٌ خُصَّ بِهِ لَفْظًا وَشَرَكَهُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ مَعْنًى وَفِعْلًا، كَقَوْلِهِ"أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ"الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: {فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} وَقَوْلِهِ: {وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} فَكُلُّ مَنْ دَلَكَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مُخَاطَبٌ بِالِاسْتِعَاذَةِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ خَافَ يُقِيمُ الصَّلَاةَ [بِتِلْكَ الصِّفَةِ] . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها} ."
وظنّهم بأن التطهير والتزكية عائدة على النبي صلى الله عليه وسلم باطل، لأنّ كلمة {تُطَهِّرُهُمْ} بضم الراء عائدة على الصدقة، لكن لو كانت بجزم الراء {تُطَهِّرْهُمْ} لكانت عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ففهمهم لغويّا باطل، فشبهتهم ضعيفة.
ولهذا قام الصحابة بحربهم بعد أن ناظروهم وبيّنوا لهم الحج.
قصّة قدامة بن مظعون
قدامة بن مظعون: بن حبيب المتوفي (سنة 36 هـ) كان من السابقين الأولين، ومن الذين شهدوا بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى الترمذي:"أن عمر رضي الله عنه استعمل قدامة بن مظعون على البحرين وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر فقدم الجارود (سيد عبد القيس) على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر وإني رأيت حدا من حدود الله حقا علي أن أرفعه إليك، فقال عمر رضي الله عنه: من شهد معك؟، قال: أبو هريرة فدعا أبا هريرة، فقال: بم تشهد؟، فقال: لم أره شرب ولكني رأيته سكران يقيء، فقال عمر رضي الله عنه: لقد تنطعت في الشهادة، قال: ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين فقدم فقام إليه الجارود فقال أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر رضي الله عنه: أخصم أنت أم شهيد؟، قال: بل شهيد، قال: فقد أديت الشهادة، فصمت الجارود حتى غدا على عمر فقال: أقم على هذا حد الله، فقال عمر رضي الله عنه: ما أراك إلا خصما وما شهد"