الصفحة 127 من 194

لكن جاء في رواية شاذّة (أو منكرة) في مسند أحمد (مهما يكتم الناس يعلمه الله قال نعم) فجعل قول"نعم"لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا خطا، وهذه الرواية ضعيفة

الشبهة الرابعة: قصّة ذات أنواط

عن أبي واقد الليثي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم)

وفي رواية: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة، فيعلقون عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها، ويعكفون عندها يوما. قال: فرأينا يوما ونحن نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم شجرة عظيمة خضراء، فسايرتنا من جانب الطريق، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} إنها السنن، سنن من كان قبلكم)

والشبهة تقول، أنّ هؤلاء الصحابة طلبوا الشرك، وطلب الشرك شرك، ولكن لأنّهم حديثو عهد بإسلام، عذروا بالجهل، ولم يستتيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرد

اختلف العلماء في ماهية القول الذي قالوه، فقال البعض هو شرك أكبر، ومنهم من قال هو شرك أصغر وذكر ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد، ورأى أن زجر رسول الله لهم فيه سدًّا للذريعة، كي لا يصل الأمر إلى الشرك الأكبر.

لكن الأمر في حقيقته أبسط من ذلك بكثير، فما كان فعلهم إلّا أنّهم طلبوا أن يبارك الله لهم في هذا المكان، وإنّما كان طبهم من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهذا يشابه فعل عمر بن الخطاب عندما طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مقام إبراهيم فوافقه الله تعالى في ذلك، قال رضي الله عنه (وَافَقْتُ رَبِّي فِي أَرْبَعٍ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ صَلَّيْتَ خَلْفَ الْمَقَامِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى} ... الحديث) ، فكانت رغبة الصحابة رضي الله عنهم أن يجعل لهم الله مكانًا يتبرّكون فيه، ويتقرّبون بذلك إلى الله، كما هو الحال في الروضة الشريفة والمسجد الحرام الذي يتبرّك المسلمون بالصلاة والدعاء فيه والحجر الأسود الذي يتبرّكون بتقبيله.

لكن رفض رسول الله ذلك، لأنّ في ذلك المكان توجد شجرة يتبرّك فيها المشركون تبرّكًا شركيّا، فخشي صلى الله عليه وسلم من كون هذا الأمر ذريعة للتشبّه بالمشركين، وإسقاط رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية التي ذُكر فيها فعل بني إسرائيل عليهم، لا يعني أنّ فعلهم كفعل بني إسرائيل، بل إنّه توجد مشابهة لهذا الفعل في وجه من الوجوه، فشبّه الطلب بالطلب، ولم يشبّه الفعل بالفعل، فهو تشابه نسبي، لأنّ بني إسرائيل طلبوا شركًا أكبر، وهم طلبوا أمرًا مباحا، لكن لمّا كان ذريعة لمشابهة المشركين، أصبح شركا أصغر، فكل ما هو ذريعة للشرك الأكبر فهو شرك أصغر.

وحتّى لو قلنا بأنّ فعلهم شركًا أكبر، فالشرك الأكبر ليس على مرتبة واحدة، فمنه ما ينقض أصل الدين، ومنه ما ينقض التفاصيل، وهنا طالما أنّ تعلّقهم كان بالله تعالى، فالتبرّك هنا يكون بدعيّا وليس شركيّا.

ثم أنّ في طلبهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على رغبتهم باتّباع الحق، ودليل على أنّه لا يجوز الاجتهاد في العبادة دون الرجوع إلى الله وسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت