الصفحة 126 من 194

والشبهة تقول أنّ هؤلاء الحواريون الذين هم خلّص أصحاب عيسى عليه السلام، قالوا له: (هل يستطيع ربك) ، وهذا معناه أنّ لديهم شكٌ في القدرة، والذي يشك في القدرة هو كافر، وعليه فيعذر بالجهل مطلقًا.

الرد

قراءة الكسائي وعلي وعائشة وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد {هَلْ تَسْتَطِيعُ} بالتاء {رَبَّك} بالنصب، أي هل تستطيع يا عيسى أن تدعو ربك، وفي هذه القراءة لا يوجد إشكال، لكن الإشكال في قراءة {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} .

الله تعالى وصف هؤلاء الحواريين بالإيمان، قال: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} ، وكلمة حواري جاءت من كلمة الحور، والحور هو شدّة البياض، وهذا يدل على النقاء.

فقولهم"هل يستطيع"بمعنى هل يفعل، لأن كلمة يستطيع تأتي بمعنى يفعل، وهي تُقال تأدّبًا مع المخاطب، مثل أن يقول الرجل لصاحبه"هل تستطيع أن تذهب معي"وهو يعلم أنّ بمقدرة الرجل الآخر الذهاب معه، لكن يقصد بها"هل تفعل"

قال السُّدِّيُّ:"الْمَعْنَى هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إِنْ سَأَلْتَهُ"أَنْ يُنَزِّلَ"فَيَسْتَطِيعُ بِمَعْنَى يُطِيعُ، كَمَا قَالُوا: اسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ، وَكَذَلِكَ اسْتَطَاعَ بِمَعْنَى أَطَاعَ".

وأيضًا فهم لم يطلبوا شيء لكي يؤمنوا بالله، بل طلبوا شيئًا لينقلهم من علم اليقين إلى عين اليقين، فأرادوا دليلًا مادّيّا لزيادة تصديقهم ويقينهم وبلوغهم مرتبة الاطمئنان، كما فهل إبراهيم عليه السلام عندما قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} ، وهم قالوا: {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ}

وقول عيسى عليه السلام {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} قال البغوي في تفسيره"اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان".

الشبهة الثالثة: حديث دعاء القبور

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه و سلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال ما لك؟ يا عائش حشيا رابية قالت قلت لا شيء قال لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير قالت قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته قال فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله! نعم، قال فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت قلت كيف أقول لهم؟ يا رسول الله قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون)

والشبهة تقول، أنّ عائشة رضي الله عنه جهلت قدرة الله تعالى، مستدلًّا بقولها"مهما يكتم الناس يعلمه الله"ويقول أنّها قالت هذا الكلام مستفهمةً إذا فهي تجهل علم الله وقدرته.

الرد

لو لاحظنا قولها، هي قالت"مهما يكتم الناس يعلمه الله! نعم"، إذًا هي لم تكن جاهلة قدرة الله، لكنّها قالت هذا الكلام تعجّبًا من قدرة الله تعالى، هذا يشبه إذا رأى الإنسان شيئا غير اعتياديًا تبرز فيه قدرة الله فيُذهل ويُسبّح، ثم هي قالت بعد جملتها فورا"نعم"فأثبتت معرفتها بقدرة الله، قال النووي في شرحه على صحيح مسلم:"وكأنها لما قالت (مهما يكتم الناس يعلمه الله) صدقت نفسها فقالت: (نعم) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت