الصفحة 125 من 194

الفرق بين إقامة الحجّة وفهم الحجّة وقبول الحجّة

المقصود من إقامة الحجّة، هو تبليغ الحجّة بشكل يفهمه المخاطب، فإذا أردنا إقامة الحجّة على قوم من غير العرب علينا أن نبلغهم الحجّة بِلُغَتِهِم، كما فعل الصحابة عندما غزوا بلاد فارس، لكن ليس المقصود من ذلك أن يفهمها فهمًا تامًّا، ففهم الصدّيق رضي الله عنه لهذه الحجّة لم يكن كفهم أبو لهب لها، لكن كلاهما مشترك بقر من الفهم يحقق وصول هذه الحجة إلى الذهن.

أمّا قبول الحجّة، فلا يُشترط أن يقبل الشخص الحجّة حتّى نقول بأنّها قامت عليه، ولو اشترطنا هذا الشّرط فلن نكفّر أحد على وجه الأرض.

بعض الشبه على العذر بالجهل

الشبهة الأولى: قصّة الرجل الذي حرّق نفسه

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ) ، وفي رواية: (رجلا من بني إسرائيل كان ينبش القبور ... [الحديث] )

والشبهة تقول أنّ هذا الرجل جهل القدرة أو شكّ بالقدرة لقوله (لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي) ، وهذا ينقض أصل الدين، لأنّه لا يمكن أن يكون الله إله وليس بقدير، ومع هذا فالله تعالى غفر له، فيقولون أنّ الجهل عذر بالإطلاق.

الرد

من الردود التي طرحها أهل العلم على هذا الحديث أنّ هذا الرجل قال كلامه وهو على فراش الموت، وكان في حالة خوف شديد، فأصبح أشبه بالمذهول، لكن - كما قال الإمام ابن حجر العسقلاني - أنّ ما يظهر من كلام هذا الرجل أنّه كان واعيًا لما يقول.

ومن الردود، قالوا أنّ قوله (قدر الله علي) كانت بمعنى ضيّق الله علي، فكلمة"قدر"تأتي بمعنى التضييق، كما قال الله تعالى: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} أي ضيّق، وهذا لا يُعقل في سياق الكلام.

والذي يتّضح هو أنّ هذا الرجل قد جهل هذه المسألة، والجهل كان مانعًا من موانع تحقق العذاب هي هذا الشخص، لكن هذا الرجل لم يكن جاهلًا بقدرة الله تعالى، بل هو كان جاهلًا بتفاصيل القدرة وسعة القدرة، فهناك فرق بين أصل الصفة وتفاصيلها، فأصل الصفة هو من أصل الدين، وتفاصيلها ليست من الأصل، والدليل على ذلك قول الرجل (من خشيتك يا رب) ، فلا يمكن أن يخشى الله إذا كان لا يعرف أنّ الله له قدرة.

وجاء في رواية: (كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ فَلَمَّا احْتُضِرَ ... [الحديث] ) وهذا يدل على أنّ هذا الرجل أتى بالتوحيد، ومن التوحيد الإيمان بقدرة الله تعالى.

ولأنّه كان نبّاشًا للقبور، فقد يكون ظنّ أنّ البعث لا يكون إلّا للأجساد، لكن إذا حرق هذا الجسد، وذرّي رماده فلا بعث له.

الشبهة الثانية: قصّة المائدة

قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت