أخيرًا: نشأ على اثر ذلك نشا الجهاد
فتشكيل دار للإسلام يشكّل خطرًا على الكفّار، وبهذا وبالرغم من أن المسلمين ابتعدوا عن الكفّار واتّخذوا داراّ لهم بعيدة عن دار الكفر، إلا أن الكفّار لن يتركوهم، كما قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، فنشأ مفهوم الجهاد وذلك لحماية الدين ومكتسبات الدعوة وحماية المستضعفين من المؤمنين وحماية دار الإسلام ومحاربة الطواغيت، فالله تعالى ربط بين الإيمان والهجرة والجهاد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا} فالإيمان ينتج عنه الهجرة، والهجرة ينتج عنها الجهاد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بُعثْتُ بالسيف حتى يُعْبَدَ الله لا شريك له، وجُعل رِزقي تحت ظل رُمْحِي وجُعل الذِّلَّةُ والصَّغَار على مَنْ خالف أمري) فكيف للكفّار أن ينقادوا للقانون الإلهي وكيف تتحقق عزّة المؤمنين وذل الكافرين، إلّا بالجهاد، قال تعالى في سورة النساء: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) } ، فهناك علاقة حتميّة بين صحّة الاعتقاد والجهاد في سبيل الله، ولهذا سمّي الجهاد بذروة سنام الإسلام.
وعليه لخّص الإمام محمد بن عبد الوهاب هذه القضايا كلها عندما عرّف الإسلام فقال:"الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله"
الاصطلاح في التوحيد
حقيقة التوحيد ونشوء المصطلحات في هذا الأمر
الاصطلاح: هو كلمة يتفق على صلاحيتها للدلالة على معنى معيّن جمع من أهل الإختصاص، والاصطلاح هو وليد الحاجة
الهدف من المصطلح: التوضيح والتبيين والتفصيل والتقعيد، فالكثير من الأمور قد تكون موجودة في السليقة فلا يضع الناس لها القواعد، وبعد ذلك ومع زيادة التطور في العلوم عامةً، احتاج الناس لوضع الاصطلاحات والقواعد، لتأطير وتقعيد هذه الأمور
ولا مُشاحَة في الاصطلاح لكن لا يجوز أن يقضي الاصطلاح على النص وأن يترتب عليه حكم، فالاصطلاح هو بمثابة الخادم للنص، وليس حاكما عليه
وهذا ما أخطأت فيه بعض الفِرق، فالأشاعرة مثلًا اصطلحو على قاعدة تقول (الإعمال بظاهر النصوص يؤدي إلى الكفر) وأخطأئوا بأن جعلوا هذه القاعدة أساء قامو ببناء أحكام عليه فقاموا على إثر ذلك بتأويل ألفاظ ومفردات القرآن والسنّة على غير النحو الذي أراده الله بها، فحرّفوا الكثير من نصوص الصفات، فجعلوا الاستواء استيلاء، واليدين قدرة، والضحك رضى ... وهذا بسبب أنهم جعلوا هذه القاعدة هي الأساس، بدلا من جعل النص هو الأساس.
وكلما كان الاصطلاح أقرب للغة والشرع يكون أكثر دقّة، يقول ابن القيّم:"كلما كان الرجل مضطلعا بلسان العرب ومضطلعًا على السنّة كان اصطلاحه أقرب".