1 -نفاق أكبر: وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر، وهذا الكفر الباطن لا يُشترط له أن يكون من باب الاعتقاد، بل قد يكون من باب الكفر العملي،
2 -فاق أصغر: فيه خصال المنافقين، ومن كان فيه خصلة منها، كان فيه خصلة من النفاق حتّى يدعها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَر) ....
والنفاق خافه الصحابة والمؤمنون، وقال الحسن البصري:"النفاق لا يخافه إلا مؤمن ولا يأمنه إلّا منافق"، ويقول ابن أبي مليكة، كما روى عنه ذلك البخاري:"أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلهم يخشى على نفسه النفاق، ما فيهم أحد يقول: إن إيماني كإيمان جبريل وميكائيل"، وعن أبي الدرداء أنه قال:"تعوذوا بالله من خشوع النفاق، قال: قيل: يا أبا الدرداء! وما خشوع النفاق؟ قال أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع"، ويقول الحسن البصري:"لو ظهر فينا المنافقون لما أمنّا أن نمشي في السبل والسكك ولضيّقت علينا المعايش، وعن أبي البختري، قال:"قال رجل: اللهم أهلك المنافقين، فقال حذيفة: لو هلكوا ما انتصفتم من عدوكم"."
والنفاق له مثلان في القرآن الكريم: مثل ناري ومثل مائي.
قال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} وهذا المثل الناري، وهذا من وصل إلى درجة الإمام في النفاق، وهؤلاء الذين استحكم النفاق عليهم، وهم أقلية.
وقال تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} وهذا المثل المائي، وهذا يمثل طبيعة بعض المنافقين الذين إذا كانوا في حالة العافية ورخاء العيش يكونوا مؤمنين، وعندما يتعرّضوا للبلاء والفتن والمحن يصبحوا من الكفّار.
فالمنافقين ليسوا على رتبة واحدة، فمنهم من يكون إمامًا في النفاق، كما قال الله تعالى في الآية الكريمة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} .
وهناك قسم آخر من المنافقين، وهم الذين يؤمنون في حالة الرخاء ويكفرون في حالة الابتلاء، فإن ماتوا فوهم في حالة العافية فقد ماتوا على الإيمان، وإن ماتوا في حالة الفتنة فقد ماتوا على الكفر، وقد حذّر الله تعالى من هذا الأمر، إذ قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} وقال: {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} وهذا ما خافه الصحابة ويخافه المؤمنون، إذ يخاف المؤمن على نفسه أن يضل إذا وقع في الفتنة، فيموت على الكفر.
متى نقول عن إنسان بأنّه منافق
لا يجوز أن نقول عن شخص أنّه منافق إذا كان فيه نفاق أصغر، وإنّما نقول فيه نفاق، أو أن نقول هو منافق نفاقًا أصغر، فقول فلان منافق هذا يدل على النفاق الأكبر.
يقول الإمام مالك رحمه الله:"كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّا المنافق اليوم فيسمى بالزنديق"
ولمعرفة المنافق الحقيقي هناك عدّة حالات:
1 -عندما لا تكتمل البينات: (شاهد واحد، قرينة غير قطعيّة) فنطالب هذا الرجل الذي جاءت بحقّه شهادة واحدة باليمين، فإن حلف فيعامل معاملة المنافق، فالشهادة الواحدة إن كانت من شاهد عدل فلا بد لها من نوع من المصداقيّة وانها لم تأتي عبثًا، ويجب على المتّهم أن يعترف، لكن عندما ينكر ويحلف على ذلك، فمعناه أنّه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبل منهم الأيمان، لكن يعاملهم معاملة خاصّة، فيعاملهم معاملة المؤمنين من جهة (عصمة الدم والمال، والنكاح) ، ومعاملة الكفّار من جهة أخرى (كعدم الصلاة عليه، وعدم اطلاعه على أسرار المسلمين) .