الصفحة 108 من 194

فوسائل الإثبات غير محصورة في الإقرار أو الشهادة، ولكن وسائل الإثبات هي البيّنة، فأي شيء يظهر الحق يُعتبر وسيلة من وسائل الإثبات، والأدلّة على ذلك، قوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} وهذه تعتبر من القرائن. وفعل سليمان عليه السلام، كما جاء في الحديث: (فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى) فاعتمد سليمان عليه السلام على قرينة خوف الأم على طفلها.

أمثلة:

-لو ألقي القبض على شخص لديه أقراص تجسس، فهذه قرينة تدل على أنّه جاسوس.

-سرقة محل، مع وجود كمرة مراقبة فيه، فالتصوير قرينة مؤكدة على جرم السارق.

-لو اختلف رجلان في نسبة طفل لأحدهما، فالبصمة الوراثيّة قرينة.

-إن مات تاجر، ولديه دفتر يسجّل فيه الديون، فالدفتر هذا اعتبره العلماء قرينة تثبت حقوقه.

وسائل الإثبات الغير معتبرة

1 -علم القاضي: فإن رأى القاضي رجلًا يكفر، فلا يجوز للقاضي أن يحكم بما رآه، ووضع العلماء هذه القاعدة حتّى لا يؤدي حكم القاضي بعلمه إلى تسلّط القضاة، فيصبح القاضي (وخاصّة قضاة الجور) بإمكانه أن يحكم ما يريد على من يريد، فتحصل المفسدة، ودليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ) ، فإن كان القاضي قد رأى الحادثة، تُرفع القضيّة إلى قاضٍ آخر ويعتبر الأول شاهدًا، فلا يجوز له أن يكن شاهدًا وقاضيًا معًا.

4 -الاستفاضة: والاستفاضة مستندها العلم وانتشار المعلومة في المحيط، فلا يُقبل بها في باب الحدود، وإنما في مسائل معيّنة (كالزواج والطلاق، والأملاك) ، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها) وكانت امرأة مشهور عنها الزنى.

والمالكيّة قبلوا الاستفاضة كدليل، لكن بشروط:

أ. أن يكون الشهود من العدول: حتى لا يكون الأمر من باب إلقاء الاتهامات والكيد.

ب. أن يحلف الشهود: وذلك للتأكّد من شدّة يقينهم بالخبر، فوصل العلم لديهم إلى درجة اليقين.

5 -الوحي: فالوحي ليسمن وسائل الإثبات القضائيّة وإنما هو حجّة على العباد في الأمور الشرعيّة، بدليل أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطبّق الحدود على المنافقين، وذلك لأنّه عرف نفاقهم بالوحي وليس عن طريق أفعالهم.

6 -عدم اكتمال النصاب: ومثل هذا ما حدث في قصّة عبد الله ابن أبَي، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: (كُنْتُ فِي غَزَاةٍ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَقُولُ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ وَلَئِنْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَهُ فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ لِي عَمِّي مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَتَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ) ، فإن لم يكتمل النصاب في الشهادة فهم مطالبين باليمين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) فإن حلف المتهم اليمين لا يطبق عليه الحد.

النفاق:

النفاق لغةً: من النفق وهو النفق الذي يكون في الأرض، من الظاهر يكون كالأرض الطبيعيّة، ومن الباطن هو نفق، وسُمي المنافق منافقًا لأنّه يظهر شيء ويُبطن شيء.

النفاق شرعًا: يقسم إلى قسمين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت