مثال، (لازم ارتكاب البدعة) : الذي يفعل بدعة، لابدّ له من أن يظن بأنّ الشريعة ناقصة، قال الإمام مالك"من ابتدع بدعة في الإسلام يراها حسنة فقد زعم أن صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذٍ دينًا فلا يكون اليوم دينًا"، لكن عندما يرتكب أحد ما البدعة فلا نُكفّره بهذا اللازم إلّا إذا قال هو بهذا اللازم، كأن يقول"نعم الدين ناقص"أو"يجب أن نزيد في الدين"فبهذا يكون كافرًا، لكن لو قال بأن الدين كامل وكان متأولًا في بدعته، فلا يقع بالكفر.
مثال (لازم نفي الفوقية لله عز وجل) : يلزم من الذي يقول بأنّ الله تعلى بلا مكان (كالأشاعرة) تشبيهه بالعدم، لكن لو سألناهم"هل الله معدوم"سيقولون بأنّ الله له ذات وليس بالعدم، فلم يلتزمون بلوازم هذا القول، ففلا نكفّرهم بقولهم هذا وإنّما نقول هو بدعة.
مثال (من يقول بأن كلام الله مخلوق) : فلازمه أنّ علم الله مخلوق، لكن المعتزلة يقولون بأنّ كلام الله مخلوق ولا يقولون بأنّ علم الله مخلوق، وفي مناظرة للشيخ الشافعي مع أحد شيوخ المعتزلة (وكان اسمه حفص الفرد) ، سأله الشيخ أحمد عن كلام الله، فأجابه أنّ كلام الله مخلوق، فسأله: كلام الله من أين، قال له: من علمه، فسأله: وعلم الله من أين، قال له: علم الله مخلوق، فقال له الشافعي"كفرت بالله العظيم"فكفّر الشافعي هذا الرجل لأنّه التزم بلوازم قوله.
4 -التكفير بالمآل: من نوى أو عزم على الكفر بالمآل كفر في الحال. ودلّ الله تعالى عليه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} وكلمة (سنطيعكم) مستقبليّة.
كما أنّ الذي ينوي الكفر فهذا يدل على أنّه راضٍ بالكفر، والدليل على أنّ الرضى بالكفر كفر، قوله تعالى: {إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} . وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوم يشربون الخمر، فأمر بضربهم، فقيل له: إن فيهم صائمًا، فقال: ابدؤوا به، ثم قال: أما سمعت قوله تعالى .. وتلا الآية المتقدمة.
فائدة: جاء في كتاب الإبانة:"إذا جلس في مجلس ورضي بالكفر يكون كافرا، رضي بالمعصية يكون عاصيا، من يجلس في مجلس يُستهزأ فيه بالله وبرسوله ينكر عليهم، فإن رفضوا قام عن المجلس، فإن لم يقم هذا يكون راضيا بالكفر، ويكون كافرا"
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} "قال رجل من المنافقين: ما أرى قُرّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء. فرُفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} إلى قوله: {مجرمين} وإن رجليه لتنسفان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بنسعة رسول الله صلى الله عليه وسلم."
وقال البغوي"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والثالث يضحك."
قال العلّامة السعدي:" {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} أي نتكلم بكلام لا قصد لنا به ولا قصدنا الطعن والعيب قال اللّه تعالى -مبينا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك- {قُلْ} لهم {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فإن الاستهزاء باللّه وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم اللّه وتعظيم دينه ورسله والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة ولهذا لما جاءوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة والرسول لا يزيدهم على قوله {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وقوله {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ} لتوبتهم واستغفارهم وندمهم {نُعَذِّبْ طَائِفَةً} منكم {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {كَانُوا مُجْرِمِينَ} مقيمين على كفرهم ونفاقهم"
وبالنسبة لمن يكون في مجلس يسمع فيه الاستهزاء بالله أو نبيّه أو دينه، ففيه حالات
أ إذا أنكر عليهم، فلا شيء عليه، وهو مأجور.
ب إذا اعتزل المسجد، لا شيء عليه.
ت إذا كان مكرهًا لا شيء عليه.