كان رجلًا أعجميًا ذا جمال ومال ، وكذلك إن كان نسرًا كان ملكًا ، وإن كان غرابًا كان رجلًا فاسقًا غادرًا كذابًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولأن نوحًا عليه السلام بعث به ليعرف حال الماء أنضب أم لا فوجد جيفة طافية على الماء فوقع عليها ولم يرجع فضرب به المثل وقيل لمن أبطأ عليك أو ذهب فلم يعد إليك غراب نوح ، وإن كان عقعقًا كان رجلًا لا عهد له ولا حفظ ولا دين قال الشاعر: ( ألا إنما حملتم الأمر عقعقًا ** له نحو علياء البلاد حنين ) وإن كان عقابًا كان سلطانًا مخربًا ظالمًا عاصيًا مهيبًا كحال العقاب ومخالبه وجثته وقوته على الطير وتمزيقه لحومها ، وينبغي لصاحب الرؤيا أن يتحرى الصدق ولا يدخل في الرؤيا ما لم ير فيها فيفسد رؤياه ويغش نفسه ويجعل عند الله تعالى من الآثمين . ( وروي ) : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا رؤيا للخائف إلا ما يحب يعني في تأويلها بفرح أمره وذهاب خوفه ، ومن الناس من يرى أنه أصاب وسقًا من التمر فيصيب من المال مائة درهم ، وآخر قد يرى مثله فيصيب ألف درهم ، وآخر يرى مثله فهو له حلاوة دينه وصلاحه فيه ، ولك من همة الرجال وأقدارها وإثارها أمر دينها ومنهم من يرى أنه أصاب من النبق عشرًا فيصيب من الورق عشرة دراهم ، وآخر يرى مثله فيصيب ألف درهم وذلك من مجرى قدرهما وطبيعتهما ، وأصدق الرؤيا رؤيا ملك أو مملوك أو ربما لم توافق طبيعة الإنسان في منامه موضعًا معلومًا يعرفه بعينه أو محلة أو دارًا أو رجلًا أو امرأة جميلة أو قبيحة أو معروفة أو مجهولة أو طائرًا أو دابة أو علمًا أو صوتًا أو طعامًا أو شرابًا أو سلاحًا أو نحوه فهو به مولع ، كلما رآه في منامه اصابه هم أو خوف أو بكاء أو مصيبة أو شخوص أو غير ذلك مما يكره وهو فيما سواه من الرؤيا بمنزلة غيره من الناس في تأويلها وأمثالها ، وربما وافقت طبيعة الإنسان في منامه بعض ما وصفت من ذلك فهو به مولع كلما رآه في منامه أصاب خيرًا أو مالًا أو ظفرًا أو غير ذلك مما يحب ، وهو فيما سواه من الرؤيا بمنزلة غيره من الناس في تأويلها ، وقد يكون الإنسان صدوقًا في حديثه تصدق رؤياه ، ويكون كذابًا في حديثه ويحب الكذب فتكذب عامة رؤياه ويكون كذابًا ، ويكره الكذب من غيره فتصدق رؤياه لذلك ، ورؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار وأصدق ساعات الرؤيا بالأسحار ، وإذا كانت الرؤيا قليلة جامعة ليس فيها حشو الكلام وكثرته فهي أنفذ وأسرع وقوعًا ، وإياك إياك أن تحرف مسألة عن وجه تأويلها المعروف في الأصول أو تجاوز بها حدها المعلوم رغبة منك أو رهبة فيحق عليك بالكذب ويعمى عليك سبيل الحق فيه ، بل يسعك السكوت إن كرهت الكلام به . وإذا رأيت في منامك ما تكرهه فاقرأ إذا انتهيت من نومك آية الكرسي ثم اتفل عن يسارك وقل: أعوذ برب موسى وعيسى وإبراهيم الذي وفى ومحمد المصطفى من شر الرؤيا التي رأيتها أن تضرني في ديني ودنياي ومعيشتي عز جاره وجل ثناؤه ولا إله غيره . واعرف الأزمنة في الدهر فإذا كانت الشجر عند حملها ثمارها فإن الرؤيا في ذلك الوقت مرجوة قوية فيها بطء قليل ، وإذا كانت الرؤيا عند إدراك ثمر الشجر ومنافعها واجتماع أمرها فإن الرؤيا عند ذلك أبلغ وأنفذ واصح وأوفق ، وإذا أورقت الشجر ولم يطلع ثمارها فإن الرؤيا عند ذلك دون ما وصفت في القوة والبقاء دون الغاية ، وإذا سقط ورقها وذهب ثمرها فإن الرؤيا عند تلك أضعف ، والأضغاث والأحلام فيها عند ذلك أكثر ، وإذا وردت عليك من صاحب الرؤيا في تأويل رؤياه عورة قد سترها الله عليه فلا تجبهه منها بما يكره أن يطلع عليه مخلوق غيره إن كان مبتلى لا حيلة له ، ولكن عرض له حتى يعلمها إلا أن يكون له من ذلك مخرج أو يكون مصرًّا على معصية الله أو قد هم بها فعظه عند ذلك واستر عليه كما أمر الله تعالى ، واستر ما يرد عليك من الرؤيا في التأويل من أسرار المسلمين وعوراتهم ولا نّخبر بها إلا صاحبها ، ولا تنطق بها عند غيره ولا تحكها عنه ولا تسمه فيها إن ذكرتها ، ولا تحلك عن أحد مسألة رؤيا إن كان فيها عورة يكرهها ، فإنك إن فعلت ذلك اغتبت صاحبها ، ولا تصدرن رأيك في مسألة حتى تفتشها وتعرف وجهها ومخرجها وقدرها واختلاف الطبائع التي وصفت لك ، فإنك عند ذلك تبصر ما عمل الشيطان في تخليطها وفسادها عليك وإدخال الشبهات والحشو فيها ، فإن أنت صفيتها من هذه الآفات التي وصفت لك ووجدت ما يحصل من كلام التأويل صحيحًا مستقيمًا موافقًا للحكمة فذلك تأويلها صحيح وقد بلغني أن ابن سيرين كان يفعل كذلك ، وإذا وردت عليه رؤيا مكث فيها مليًا من النهار يسأل صاحبها عن حاله ونفسه وصناعته وعن قومه