الأوقات وقت انعقاد الأنوار ووقت ينع الثمر وإدراكه وأضعفها الشتاء ، ورؤيا النهار أقوى من رؤيا الليل وقد تتغير الرؤيا عن أصلها باختلاف هيئات الناس وصناعاتهم وأقدارهم وأديانهم فتكون لواحد رحمة وعلى آخر عذابًا . ومن عجيب أمر الرؤيا أن الرجل يرى في المنام أن نكبة نكبته وأن خيرًا وصل إليه فتصيبه تلك النكبة بعينها ويناله ذلك الخير بعينه وفي الدراهم إذا رأوها أن يصيبوها وفي الولاية إذا رأوها أن يلوها وفي الحج إذا رأوه أن يحجوا وفي الغائب يقدم في المنام فيقدم في اليقظة وربما رأى الصبي الصغير الشيء فكان لأحد أبويه ، والعبد فكان لسيده ، والمرأة فكان لبعلها أو لأهل بيتها . ( وحكي ) : أن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه وجه قاضيًا إلى الشام فسار ثم رجع من الطريق فقال له: ما ردك ؟ قال: رأيت في المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان وكأن الكواكب بعضها مع الشمس وبعضها مع القمر ، قال عمر: مع أيها كنت ؟ قال: مع القمر ، قال: انطلق لا تعمل لي عملًا أبدًا ثم قرأ: ! ( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) ! فلما كان يوم صفين قتل الرجل مع أهل الشام وبلغني أن الرجل هو جابر بن سعيد الطائي . ( وحدث ) : إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: كنت عند يزيد بن مزيد فقال: إني رأيت رؤيا عجيبة ودعا بعابر فقال: رأيت كأني أخذت طيطوى لأذبحه فأمررت السكين على حلقه ثلاث مرات فانقلبت ثم ذبحته في الرابعة ، فقال: رأيت خيرًا هذه بكر عالجتها فلم تقدر عليها ثلاث مرات ثم قدرت عليها في الرابعة قال نعم وأصغى إليه فقال: في الرؤيا شيء قال: ما هو ؟ قال: كانت هناك ضريطة من الجارية ، قال: صدقت والله فكيف علمت ؟ قال: إن اسم الطائر طيطوى . قال ابن قتيبة رضي الله عنه: يجب على العابر التثبت فيما يرد عليه وترك التعسف ولا يأنف من أن يقول لما يشكل لعيه لا أعرفه ، وقد كان محمد بن سيرين إمام الناس في هذا الفن وكان يمسك عنه أكثر مما يفسر . ( وحدث الأصمعي ) : عن أبي المقدام أو قرة بن خالد قال: كنت أحضر ابن سيرين يسأل عن الرؤيا فكنت أحزره يعبر من كل أربعين واحدة ، قال ابن قتيبة: وتفهم كلام صاحب الرؤيا وتبينه ثم اعرضه على الأصول فإن رأيته كلامًا صحيحًا يدل على معاني مستقيمة يشبه بعضها بعضًا عبرت الرؤيا بعد مسألتك الله تعالى أن يوفقك للصواب ، وإن وجدت الرؤيا تحتمل معنيين متضادين نظرت أيهما أولى بألفاظها وأقرب من أصولها فحملتها عليه ، وإن رأيت الأصول صحيحة وفي خلالها أمور لا تنتظم ألقيت حشوها وقصدت الصحيح منها ، وإن رأيت الرؤيا كلها مختلطة لا تلتئم على الأصول علمت أنها من الأضغاث فأعرض عنها ، وإن اشتبه عليك الأمر سألت الله تعالى كشفه ، ثم سألت الرجل عن ضميره في سفره إن رأى السفر وفي صيده إن رأى الصيد وفي كلامه إن رأى الكلام ثم قضيت بالضمير فإن لم يكن هناك ضمير أخذت بالأشياء على ما بينت لك ، وقد تختلف طبائع الناس في الرؤيا ويجرون على عادة فيها فيعرفونها من أنفسهم فيكون ذلك أقوى من الأصل فينزل على عادة الرجل ويترك الأصل ، وقد تصرف الرؤيا عن أصلها من الشر بكلام الخير والبر ، وعن أصلها من الخير بكلام الرفث والشر ، فإن كانت الرؤيا تدل على فاحشة وقبيح سترت ذلك ووريت عنه بأحسن ما تقدر على ذلك من اللفظ وأسررته إلى صاحبها كما فعل ابن سيرين حين سئل عن الرجل الذي يفقأ بيضًا من رؤوسه فيأخذ بياضه ويدع صفرته فإنك لست من الرؤيا على يقين وإنما هو حدس وترجيح الظنون ، فإذا أنت بدهت السائل بقبيح ألحقت به شائبة لعلها لم تكن ولعلها إن كانت منه أن يرعوي ولا يعود . ( واعلم ) : أن أصل الرؤيا جنس وصنف وطبع ، فالجنس كالشجر والسباع والطير وهذا كله الأغلب عليه أنه رجال والصنف أن يعلم صنف تلك الشجرة من الشجر وذلك السبع من السباع وذلك الطائر من الطيور ، فإن كانت الشجرة نخلة كان ذلك الرجل من العرب ، لأن منابت أكثر النخيل بلاد العرب وإن كان الطائر طاووسًا كان رجلًا من العجم ، وإن كان ظليمًا كان بدويًا من العرب ، والطبع أن تنظر ما طبع تلك الشجرة فتقضي على الرجل بطبعها ، فإن كانت الشجرة جوزًا قضيت على الرجل بطبعها بالعسر في المعاملة والخصومة عند المناظرة ، وإن كانت نخلة قضيت عليها بأنها رجل نفاع بالخير مخصب سهل حيث يقول الله عز وجل: ! ( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) ! يعني النخلة ، وإن كان طائرًا علمت أنه رجل ذو أسفار كحال الطير ثم نظرت ما طبعه فإن طان طاووسًا