وكليات تجعل للعارف بها معرفة بأحوال الزمان"،"فكان الواجب أن لا يكون طريقُ التفقه واحدًا في نوعي الفقه المذكورين (أي فقه العبادات وفقه المعاملات) ." [1] ولذلك كانت موارد الأحكام الشرعية أو ما تعلقت به من تصرفات المكلفين وأفعالهم في مختلف أنواع المعاملات على ضربين: مقاصد ووسائل،"فالمقاصد هي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، والوسائل هي الطرق المفضية إليها." [2] "
وفي ضوء هذين الأصلين وتأسيسًا عليهما جرى ابن عاشور في تعريف المصلحة وإثبات حجيتها وتحديد مداها وأنواعها، وهو إذ يفعل ذلك يقدم لنا خلاصة ممحصة لما دارت حوله أنظار الفقهاء والأصوليين قبله من أقوال وآراء. ولذلك فإن هذه الدراسة تتبنى ما صاغه من أفكار بوصفه تعبيرًا عما يمكن عدُّه المساقَ العام للنظر الاستصلاحي في الفقه الإسلامي. فالمصلحة عنده"وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع، منه دائمًا أو غالبًا، للجمهور أو للآحاد"، بحيث تكون خالصة أو مطردة، عامة أو خاصة."أما المفسدة فهي ما قابل المصلحة، وهي وصف للفعل يحصل به الفساد، أي الضر، دائمًا أو غالبًا، للجمهور أو للآحاد." [3] وإذا كانت المصلحة بأنواعها تشتمل على قسمين:"ما يكون فيه حظٌّ ظاهرٌ للناس في الجبلة، يقتضي ميل نفوسهم إلى تحصيله؛ لأن في تحصيله ملاءمةً لهم"و"ما ليس فيه حظ ظاهر لهم"، فإن لكل من هذين القسمين"خصائص من عناية الشارع". [4] فالقسم الأول ليس من شأن الشارع التعرض له بالطلب إذ يكفي داعي الجبلة في توجيه اهتمام الناس لتحصيله، فيكون شأن الشريعة"أن تزيل عنه موانع حصوله"، بينما"القسم الثاني يتعرض له التشريع بالتأكيد، ويرتب العقوبة على تركه والاعتداء عليه"مع إيجاب بعضه"على الأعيان وبعضه على الكفايات، بحسب محل المصلحة." [5]
ومع هذا التنويع للمصلحة، يستعيد ابن عاشور تقسيم الأصوليين من حيث قوة أثرها (وهو ما سموه بالمناسب الحقيقي) فتنقسم إلى ضرورية وحاجية تحسينية ومن حيث مدركها أو الدليل عليها فتنقسم إلى قطعية وظنية ووهمية."فالمصالح الضروية هي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، فإذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش." [6] أما المصالح الحاجية فهي"ما تحتاج الأمة"
(1) ابن عاشور: أليس الصبح بقريب؟ التعليم العربي الإسلامي: دراسة تاريخية وآراء إصلاحية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي (كوالالمبور: دار التجديد، 1423/ 2002) ، ص 234.
(2) ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص 413.
(3) المرجع نفسه، ص 282 - 283.
(4) المرجع نفسه، ص 292.
(5) المرجع نفسه، ص 292 - 293.
(6) المرجع نفسه، ص 300.