الخالدة وتوخيًا لمقاصده العامة والخاصة. [1] وهو ما أعرب عنه ابن عاشور بوضوح لا لبس فيه، حيث ذكر أن قصده من إملاء مباحث في مقاصد الشريعة والاحتجاج لإثباتها أن تكون"نبراسًا للمتفقهين في الدين، ومرجعًا بينهم عند اختلاف الأنظار"من أجل"إغاثة المسلمين ببلالة تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل." [2]
فما تلك المصالح التي يُعوَّل في تحقيقها على مقاصد الشريعة التي دعا ابن عاشور إلى جعلها علمًا قائمًا بذاته مستقلاًّ عن أصول الفقه؟
بنى الشيخ ابن عاشور قوله في المصلحة على أصلين رئيسين: الأصل الأول أن مقاصد الشريعة مبنية على الفطرة، على اعتبار"أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تتبعها أصولٌ وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرَّض عليها، إذ هي من العادات الصالحة المتأصِّلة في البشر والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر"، [3] ومن ثم جاءت الشريعة تدعو إلى"تقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها، وإحياء ما اندرس منها." [4] فكان مقصدُها العام الذي دل عليه استقراءُ كليات دلائلها وجزئياتها"هو حفظُ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان"صلاحًا يشمل"صلاحَ عقله، وصلاحَ عمله، وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه"، وذلك بجلب الصلاح ودرء الفساد. [5]
أما الأصل الثاني فهو"اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حكم ومصالح ومنافع، ولذلك كان الواجب على علمائها تعرُّفُ علل التشريع ومقاصده ظاهرها وخفيِّها." [6] فإذا جاز أن تكون في الشريعة أحكام تعبدية لا علةَ ظاهرة لها ولا يمكن الاطلاعُ على علتها، فإن ابن عاشور يذهب إلى أن ذلك لا ينبغي أن يكون في المعاملات المالية والجنائية، فهو لا يرى"أن يكون في هذه تعبدي، وعلى الفقيه أن يستنبط العلل فيها." [7] ذلك أن"العبادات أوغلُ في جانب الأثر؛ لأن كثيرًا منها التعبديُّ الذي لا يدخل فيه القياس دخولًا قويًّا"، أما فقه المعاملات فيحتاج إلى"أصول"
(1) يمكن في هذا الصدد الإشارة إلى كتابات أعلام بارزين مثل خير الدين التونسي، والشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محمد الحجوي الثعالبي، والشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ محمود شلتوت، والأستاذ علال الفاسي، وغيرهم كثير.
(2) ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص 165.
(3) المرجع نفسه، ص 264.
(4) المرجع نفسه، ص 265.
(5) المرجع نفسه، ص 273، 276.
(6) المرجع نفسه، ص 246.
(7) المرجع نفسه، ص 246 - 247.