الصفحة 24 من 47

والثاني: إعلاء كلمة الحق وتمكين الشرائع، والثالث:"انتظام أمر الناس، وإصلاح ارتفاقاتهم وتهذيب رسومهم، ومعنى رجوعها إليها أن يكون للشيء دخل في تلك الأمور إثباتًا لها أو نفيًا إياها بأن يكون شعبة من خصلة منها أو ضدًّا لشعبتها أو مظنة لوجودها أو عدمها، أو متلازمًا معها أو مع ضدها أو طريقًا إليها أو إلى الإعراض عنها، والرضا في الأصل إنما يتعلق بتلك المصالح، والسخط إنما يناط بتلك المفاسد." [1] أما النوع الثاني من العلم فهو"علم الشرائع والحدود والفرائض"، وهي ما بينه الشارع من المقادير التي نصب للمصالح بخصوصها"مظانَّ وأمارات مضبوطة معلومة، وأدار الحكم عليها وكلف الناس بها." [2]

وإذ ليس من أغراض هذه الدراسة استقصاء تفاصيل الأقوال وجزئيات الآراء التي جرت بها أقلام العلماء السابقين في التعليل وما انبنت عليه أحكام الشريعة من مراعاة لمصالح البشر معاشًا ومعادًا، فإن ما سبق يكفي ليوقفنا على معالم الاتجاه العام الذي تبلَّر في الفكر التشريعي الإسلامي تعبيرًا عن مركزية المصلحة في النظر الاجتهادي لمذاهب التفقه في الشريعة. وقد هيأ ذلك الاتجاهُ قاعدةَ الانطلاق ومهد سبيلَ السير للعلماء الخالفين في العصر الحديث ليبنوا تنظيرهم للمصلحة والمقاصد تجاوبًا مع ما جرت به الحياة من تبدل في أوضاعها وتطور في أنماطها وأساليبها، وسعيًا لتكييف ما ثار فيها من نوازل ومشكلات لا يكاد يلفى لها نظيرٌ فيما سبق للعقل الفقهي المسلم معالجتُه من أقضية ووقائع. وقد اقتضى ذلك تكييفًا منهجيًّا صار موضوع المصلحة فيه يدرس بضرب من الاستقلال والتمييز الذي لا نجده في مؤلفات الفقه وأصوله حيث يُعرض للمصلحة بوصفها من توابع مباحث أخرى. ولن نتوسع في تتبع الأقوال والتقريرات التي جادت بها قرائحُ العلماء المعاصرين في هذا الشأن، وإنما يكفي أن نقف مع بعض االكتابات التي صار لها من المرجعية في الفكر الاجتهادي الحديث ما يجعلها ممثلة للوجهة التي يمكن أن نقول إن المتشرعين المسلمين في جملتهم يسيرون عليها. وهي في الواقع الوجهة التي انبثقت في إطارها معظمُ الاجتهادات التي قام عليها ما تشهده حياة المسلمين من أعمال ومؤسسات في مجالات الاجتماع والاقتصاد والسياسة وغيرها.

ويأتي في مقدمة تلك المؤلفات كتاب الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في مقاصد الشريعة. فهذا المؤلَّفُ يمكن في الحقيقة عدُّه تعبيرًا عن الهم العام الذي شغل عقولَ المصلحين منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي بحثًا عن السبل الناجعة لمواجهة تحديات العصر الحديث وتحقيق مصالح المسلمين في إطار من ثوابت الشرع وقيمه

(1) المرجع نفسه، ص 374 - 375.

(2) المرجع نفسه، ص 375.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت