في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات"، بناءً على"كمال النظام في التشريع"الذي يأبى كمال النظام فيه"أن ينخرم ما وضع له، وهو المصالح." [1] "
فالمعتَبَرُ في نظام الشرع - كما يبين الشاطبي -"إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس، حتى إن العقلاء قد اتفقوا على هذا النوع في الجملة، وإن لم يدركوا من تفاصيلها قبل الشرع ما أتى به الشرع، فقد اتفقوا على اعتبار إقامة الحياة الدنيا لها أو للآخرة، بحيث منعوا من اتباع جملة من أهوائهم بسبب ذلك." [2] وفي هذا الإطار ينبه صاحب الموافقات إلى أن الخلاف المشهور بين المعتزلة والأشاعرة يصبح خلافًا لا طائل من ورائه؛ فإذا كان المعتزلة يعتبرون المصالح والمفاسد بحسب ما يؤدي إليه العقل، وهو"الوجه الذي يتم به صلاحُ العالم على الجملة والتفصيل في المصالح، أو ينخرم به في المفاسد"، وإذا كان الشرع عندهم"كاشفًا لمقتضى ما ادعاه العقل عندهم بلا زيادة ولا نقصان، فلا فرق بينهم وبين الأشاعرة في محصول المسألة، وإنما اختلفوا في المدرك، واختلافهم فيه لا يضر في كون المصالح معتبرة شرعًا ومنضبطة في أنفسها." [3]
وفي سياق نظريته فيما سماه بالارتفاقات التي بمقتضاها تطورت حياة البشر في طرق كسب معاشهم وسبل إقامة علاقاتهم بعضهم ببعض وفي كيفية إجراء نظمهم وإدارة شؤونهم من الأسرة إلى الإمامة مما اقتضى وجودَ شرع أو قانون يحكمهم في ذلك كله، ينسج الإمام شاه ولي الله الدهلوي على منوال مَن سبقوه في تقرير قيام أحكام الشريعة على اعتبار المصلحة، فيقول:"وقد يظن ظان أن الأحكام الشرعية غير متضمنة لشيء من المصالح، وأنه ليس بين الأعمال وبين ما جعل الله جزاءً لها مناسبة، وأن مثل التكليف بالشرائع كمثل سيد أراد أن يختبر طاعة عبده، فأمره برفع حجر أو لمس شجرة مما لا فائدة فيه غير الاختبار، فلما أطاع أو عصى جوزي بعمله. وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير." [4] ذلك أن الشارع - كما يرى الدهلوي - قد أفاد البشر نوعين من العلم: النوع الأول هو علم المصالح والمفاسد مما وجههم إليه من"اكتساب الأخلاق النافعة في الدنيا أو في الآخرة وإزالة أضدادها، ومن تدبير المنزل وآداب المعاش وسياسة المدينة"، فكانت كل مصلحة حث الشرع الناس عليها وكل مفسدة ردعهم عنها لا يخلو الأمر فيها من الرجوع إلى أحد أصول ثلاثة: أحدها: تهذيب النفس بالخصال النافعة،
(1) المرجع نفسه، ص 350.
(2) المرجع نفسه، ص 352.
(3) المرجع نفسه، ص 357.
(4) الدهلوي: حجة الله البالغة، ج 1، ص 27.