الصفحة 27 من 47

إليه في اقتناء مصالحها وانتظام أمرها على وجه حسن، بحيث لو لا مراعاته لما فسد النظام ولكنه كان على حالة غير منتظمة." [1] وتأتي في الرتبة الأخيرة المصالح التحسينية التي هي"ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجة منظر المجتمع في مرآى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوبًا في الاندماج فيها أو التقرب منها." [2] ولا يخفى ما في هذه الصياغة من حرص على إبراز الجوانب الاجتماعية والأبعاد الحضارية للمصالح برتبها المتفاوتة بوصفها المحور الذي تدور عليه مقاصد الشريعة في تحقيق الصلاح ودرء الفساد. أما اعتبار المصالح من حيث مدركها فالباب منفسح فيه لكل من النص والعقل، بحيث إن منها ما قد تدل النصوص على ضرورة تحصيله دلالة قطعية، مثلما أن منها ما يقوم دليل العقل على ضرورة جلبه. وكذلك فإن منها ما تكون دلالة النص أو العقل عليه ظنية. أما المصالح الوهمية فهي ما يكون منشؤه مجرد الوهم والخيال ولا ينتهض له دليل من العقل ولا من الشرع. [3] وفضلًا عن الاعتبارات السالفة فإن هناك نظرًا آخر إلى المصالح والمفاسد من حيث"كونها حاصلة من الأفعال بالقصد أو حاصلة بالمآل"، وهذا مقام مرتبك"فيه تتفاوت مدالاك العقلاء اهتداءً وغفلة، وقبولًا وإعراضًا، فتطلع فيه الحيل والذرائع"، الأمر الذي يسترعي الحذق والفطنة من الفقيه. [4] "

وفي ضوء هذه الاعتبارات جميعًا من تحديد لمعنى المصلحة وبيان لأقسامها واعتباراتها المختلفة، يقرر ابن عاشور أن"طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك، وأنه إن لم يتبع هذا المسلك الواضح والمحجة البيضاء فقد عطل الإسلام عن أن يكون دينًا عامًّا باقيا." [5]

ويبدو ابن عاشور في احتجاجه لبناء الاجتهاد على اعتبار المصالح سائرًا على نهج قريب من ذلك الذي سار عليه ابن عقيل وابن تيمية والطوفي وابن القيم، ناحيًا في ذلك منحى وضع إطار شامل لها يستوعب ضروبها المختلفة وصورها المتعددة. ولذلك يؤكد أن الغرض من بيان أنواع المصالح ليس مجرد معرفة مراعاة الشريعة لها، ولا مجرد قياس النظائر على جزئيات تلك المصالح، فذلك كله دون الغرض من تأسيس علم مقاصد الشريعة الذي دعا إليه. وإنما الغرض من التعرض لتلك الأنواع ودراستها هو"أن نعرف كثيرًا من صور المصالح المختلفة الأنواع المعروفُ قصدُ الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقينٌ"

(1) المرجع نفسه، ص 306.

(2) المرجع نفسه، ص 307.

(3) المرجع نفسه، ص 314 - 315.

(4) المرجع نفسه، ص 316.

(5) المرجع نفسه، ص 315 - 316.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت