انفك عن رعاية أمر مقصود فليس مناسبًا، وما أشار إلى رعاية أمر مقصود فهو المناسب." [1] ويصوغ أبو حامد هذا التفصيل والتصوير اختصارًا على نهج التعريف فيقول في المستصفى:"المراد بالمناسب ما هو على منهاج المصالح، بحيث إذا أضيف الحكم إليه انتظم." [2] وإذا كانت المناسباتُ راجعةً إلى رعاية المقاصد التي تتفاوت مراتبُها إذ منها ما يقع في محل الضرورات وما يقع في رتبة الحاجات وما يقع في رتبة التوسعة والتيسير ولكلِّ رتبة من هاته الرتب ما تتمة وتكملة لها، [3] فإن ما يقع في الرتبة العليا - الضرورات - كحفظ النفوس الذي"هو من ضرورة الخلق"، أمر نجد"العقول مشيرة إليه وقاضية به لولا ورود الشرائع؛ وهو الذي لا يجوز انفكاكُ شرعٍ عنه عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه." [4] وبناءً على ذلك فإن"كل مناسبة يرجع حاصلها إلى رعاية مقصود يقع ذلك المقصود في رتبة يشير العقلُ إلى حفظها، ولا يستغني العقلاءُ عنها فهو واقعٌ في الرتبة القصوى من الظهور." [5] "
وبهذا التعريف لمعنى المناسب وتعيين رتبه وتحديد مضامين تلك الرتب يكون الغزالي قد وضع الإطار الأساسي الذي التزمه العلماء من بعده في نظرهم في المناسبة. وإذا ما استثنينا العز ابن عبد السلام والطوفي [6] وابن تيمية والشاطبي الذين يمكن القول بأنه كان لهم مقاربات لموضوع المصلحة مختلفة عما سار عليه سائر علماء الأصول، فإننا لا نكاد نجد في الدرس الأصولي مَنْ خرج عن هذا الإطار الذي رسمه الغزالي من خلال مناقشته وتعريفه للمناسبة أو من أضاف إليه شيئًا ذا بال. إلا أننا واجدون مع ذلك لفتات بارعة وطريفة - وإن كانت مغمورة - عند كل من الرازي والطوفي بحيث يمكن القول إن المناسبة عندهما قد تحولت إلى نظرية كلية تتجاوز المضمار المحدود لمبحث مسالك العلة، الأمر الذي يجعلها جديرة بالوقوف عندها وقفة خاصة. ولنبدأ بالرازي الذي لخص تعريفات من سبقوه للمناسب في تعريفين:"الأول أنه الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاء"، وأنه"قد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة،"
(1) المرجع نفسه، ص 79 - 80.
(2) الغزالي: المستصفى، ج 2، ص 306.
(3) الغزالي: شفاء الغليل، ص 80.
(4) المرجع نفسه، ص 81.
(5) المرجع نفسه، هكذا في الأصل ويبدو في الكلام اضطراب. على أن الغزالي لا يخفي شعوره بالحرج وهو يقول هذا الكلام، الأمر الذي يضطره إلى الاعتذار لكي لا يتهم بالاعتزال ولكي لا ينفر الناس من هذا الذي قرره بشأن قدرة العقل على إدراك ما يعود إلى الضروري من المصالح، فيقول:"وإنما نبهنا على هذا القدر كي لا ننسب إلى اعتقاد الاعتزال، ولا ينفر طبع المسترشد عن هذا الكلام خيفة التضمخ بعقيدة مهجورة، يرسخ في نفوس أهل السنة تهجينها"!
(6) ننبه هنا إلى أن للطوفي ما يمكن اعتباره مقاربتين لإشكالية المصلحة، الأولى ما سلكه في شرحه لحديث"لا ضرر ولا ضرار"والثانية في شرح الروضة، وسنشير إلى ذلك في حينه.