الصفحة 14 من 47

وعن الإبقاء بدفع المضرة." [1] أما التعريف الثاني فهو أن المناسب هو"الملائم لأفعال العقلاء في العادات." [2] "

وقد بين الرازي أن التعريف الأول هو"قول مَنْ يعلل أحكام الله تعالى بالحكم والمصالح"، بينما"التعريف الثاني هو قول من يأباه." [3] على أن الرازي يمضي في تفصيل الاعتبارات المختلفة التي ينظر على أساسها إلى المناسب وفقًا للتعريف الأول، فيذكر قسميه من حقيقي وإقناعي، وأنواعه من معتبر وملغى ومرسل، ومراتب الحقيقي من ضروري وحاجي وتحسيني. وتستوقفنا في ثنايا ذلك عبارةٌ مهمة عنون بها الرازي الفن الثاني من الفصل الذي خصصه للكلام على المناسبة، وهي قوله:"في إقامة الدلالة على أن المناسبة دالة على العلية"، [4] حيث أورد تحت هذا العنوان الشواهد القرآنية والأدلة العقلية على كون أحكام الشريعة إنما وضعت لمصلحة الخلق. [5] ثم يطوى البحث الخاص بمسالك العلة ويبقى العقل متطلعًا إلى مزيد بيان لما تنطوي عليه تلك العبارة الموحية من معاني وأبعاد، ولا نظفر بشيء من ذلك إلا في خاتمة القسم الأخير من باب التعارض والترجيح الذي خصه الرازي للترجيح بين الأقيسة، وكأنما قصد أن يصوغ إضافته الحقيقية في شأن التنظير للمناسبة بحيث لا تجلب عليه اعتراض معترض أو نقد منتقد. فما الجديد الذي جاء به الرازي؟

يمكن القول إن ما قرره الرازي في الموضع المذكور يوشك أن يقلب، لا بل هو يقلب فعلًا، ما اعتاد الأصوليون السير عليه في ترتيب مسالك العلة حسب أهميتها رأسًا على عقب. يقرر الفخر"أن المناسبة أقوى من التأثير؛ لأنه لا معنى للتأثير إلا أنه عُرف تأثيرُ هذا الوصف في نوع هذا الحكم وفي جنسه، وكونُ الشيء مؤثرًا في شيء لا يوجب كونَه مؤثرًا فيما يشاركه في جنسه. أما كونه مناسبًا فهو الذي لأجله صار الوصف مؤثرًا في الحكم، فكان الاستدلالُ بالمناسبة على العلية أقوى من الاستدلال بالتأثير عليها." [6] وإذا ما علمنا أن التأثير إنما يظهر بالنص أو الإجماع كالقول بأن العلة في الولاية الصغر، [7] أدركنا المغزى الحقيقي لكلام الرازي هذا. وبعبارة أخرى، فإن الوصف الذي يثبت تأثيره نصًّا أو إجماعًا إنما يستمدُّ صلاحيتَه للكون علةً من كونه مناسِبًا؛"لأن"

(1) الرازي، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين: المحصول في علم أصول الفقه، دراسة وتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 2، 1412/ 1992) ، ج 5، ص 157.

(2) المرجع نفسه، ص 158.

(3) المرجع نفسه، ص 158 - 159.

(4) المرجع نفسه، ص 172.

(5) المرجع نفسه، ص 172 - 196.

(6) المرجع نفسه، ص 456 - 457 (والتسويد من عندنا) .

(7) الغزالي: المستصفى، ج 2، ص 307.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت