الصفحة 12 من 47

يمكن إرجاع احتدام الجدل الأصولي المنهجي حول المناسبة إلى النصف الأول من القرن الخامس الهجري، وقد شاع في الاستعمال لفظ الإخالة تعبيرًا عن المفهوم نفسه، وذلك في سياق مناقشتهم لمسالك العلة وطرق الكشف عنها. ودون الدخول في تفاصيل ذلك الجدل يحسن بنا الانطلاق من تعريف الوصف المخيل أو المناسب الذي ساقه الفقيه والأصولي الحنفي أبو زيد الدبوسي والذي مؤداه أنه الوصف الذي يوقع"في القلب خيالَ القبول وأثرَ الصحة." [1] إلا أن الدبوسي الذي أورد هذا التعريف في معرض المناظرة مع الشافعية اعترض عليه لما يتسم به من عنصر الذاتية وعدم الخضوع لمعايير موضوعية يمكن النزول عندها عند الاستشكال؛ ذلك أن الإخالة - كما يقول -"إشارة إلى ما يقع في القلب، وما لا يُطلع عليه، فلا يصير حجةً على غيره"، فضلًا عن أن"كلَّ معلِّل يمكنه أن يقول: وقع في قلبي خيالُ صحته (أي صحة المخيل أو المناسب) ، فيصير معارضًا إياك، وإنه من باب الإلهام وقد بينا في موضعه بطلانَ ذكره على سبيل الاحتجاج به". الدبوسي: تقويم الأدلة، ص 328. ويبدو أن هذا الاستشكال وذاك الاعتراض كان لهما من قوة الإرباك والإحراج للشافعية ومن نحا نحوهم ما جعل الغزالي يستشعر الحاجة للانتهاض لهما والرد عليهما، فكان تأليفه كتاب"شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل"الذي احتل فيه بيان معنى المناسب والاستدلال على مشروعية التعليل به الحيز الأكبر. [2]

بعد الكلام على مسالك العلة التي يعتمد في تحديدها على البنية النصية واللغوية لخطاب الشرع، [3] انتقل الغزالي إلى المسالك العقلية وفي مقدمتها المناسبة مذكرًا باعتراض الدبوسي عليها واشتراطه ضرورة إظهار التأثير بالنص أو الإجماع. ولما كان مبنى ذلك الاعتراض هو غياب"المعيار الذي يُعرف به كون المعنى مناسبًا إذا وقع فيه الشكُّ للناظر أو التنازعُ للمناظِر"، سلك أبو حامد سبيل التفصيل فقال:"المعاني المناسبة ما نشير إلى وجوه المصالح وأماراتها، وفي إطلاق المصلحة أيضًا نوعُ إجمال؛ والمصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، والعبارة الحاوية لها أن المناسبة ترجع إلى رعاية أحر مقصود. أما المقصود فينقسم إلى ديني وإلى دنيوي، وكل واحد ينقسم إلى تحصيل وإبقاء ... وجميع أنواع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد، وما"

(1) الدبوسي، أبو زيد عبد الله بن عمر: تقويم الأدلة في أصول الفقه، تحقيق عدنان العلي (صيدا/بيروت: المكتبة العصرية، 1426/ 2006) ، ص 325. هذا ومن الغريب أن العلماء الذين تناقلوا تعريف الدبوسي بغرض نقضه والرد عليه لم يكونوا دقيقين في النقل، فقد أوردوه على النحو الآتي:"ما إذا عرض على العقول تلقته بالقبول"، وقد استمر ذلك التصحيف حتى العصر الحديث (انظر على سبيل المثال الغزالي، والآمدي) .

(2) نستشف الأثر الذي تركته انتقادات الدبوسي للإخالة من كلام الغزالي في المقدمة، حيث ذهب إلى حد تأكيد عدم ارتياحه إلى طريقة شيخه الجويني في تأييد هذا المفهوم والرد على المخالفين لعدم وفائها بالغرض وكون الجواب غير مقنع عن اعتراضاتهم. الغزالي: شفاء الغليل، ص 9.

(3) الغزالي: شفاء الغليل، ص 16 - 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت