سببه والدليل عليه، وهو الأمر المقتضي أو الموجب للقصاص، فإذا لم يكن قتل لا يكون هناك قصاص. أما البعد الداخلي لعلية القتل للقصاص، أي الداعي لجعل القتل سببًا لإيجاب القصاص، فهو الزجر عن القتل"لما فيه من الفساد وفوات النفوس المقصود بقاؤها. والحاجة سابقة على السبب، فصلحت لأن تكون علة باعثة عليه، ولا نعني بالحكمة والمعنى المخيل إلا الباعث على شرع الحكم." [1] ويمكن القول بعبارة أخرى إن حفظ النفوس هو العلة الغائية لشرع القصاص وهو المصلحة المقصودة به، بينما القتل هو علته السببية.
وإذن فالشريعة إنما بنيت أحكامها على اعتبار ما يترتب عليها من حكم ومصالح إذ هي - كما قرر الغزالي - الثمرة المطلوبة، فالحِكَمُ والمصالح في الحقيقة هي علل للأحكام في العلم والقصد وإن تأخرت عنها في الحصول والوجود. إلا أن الأصوليين قد اختلفوا في التعليل بالحكمة بهذا المعنى، فجمهورهم لم يعولوا على التعليل بها نظرًا لما قدروه فيها من عدم الانضباط، أما الباقون فقد قالوا بالتعليل بالحكمة شريطة أن يتوافر فيها شرطا الظهور والانضباط. [2] ومع أننا ندرك حقيقة الدوافع التي حدت بأصحاب الرأي الأول من حيث أنها تنبع من حرص على الابتعاد في فهم أحكام الشريعة عن التقديرات الذاتية وغير الموضوعية التي قد تتحكم فيها الأهواء والرغبات الشخصية، إلا أن موقفهم يوشك أن يخضع فقهَ الشريعة لنزعة ظاهرية جامدة. أما أصحاب الرأي الثاني فإن التكييف الذي جاؤوا به لاعتماد الحكمة في التعليل لا يبدو حلاًّ مناسبًا ومتماسكًا للمشكلة، بل هو هروب منها وانكفاء على الجانب الظاهر أو الخارجي لعلية العلة كما سبق بيانه قبل قليل، وبذلك فهو لا يكاد يفترق كثيرًا عن الرأي الأول. وفي كلا الموقفين يكون قد حصل إهدار لمفهوم الحكمة وسد لما يفتحه من أبواب واسعة للتفقه في أحكام الشريعة وإجرائها على الواقع. وربما كان الشعور بهذا الانسداد هو الذي حفز العقل الأصولي للبحث عن مخارج أخرى يتم من خلالها تجاوز حالة التجاذب التي أدت إلى الوقوع في مثل هذا المأزق. ونحسب أن فكرة المناسب والمناسبة كانت هي أحد تلك المخارج بل كانت - فيما نحسب - المخرج الرئيس من ذلك الانسداد، وإن كانت هي الأخرى لم تسلم من جدال حولها ما فتئ أن انجلى عن تسالم بشأنها عند غالب المتأخرين من الأصوليين.
(1) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد: شفاء الغليل في بيان الشبه والْمُخيل ومسالك التعليل، تعليق زكريا عميرات (بيروت: دار الكتب العلمية، 1420/ 1999) ، ص 287؛ المستصفى من علم الأصول، تحقيق محمد سليمان الأشقر (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1417/ 1997) ، ج 350.
(2) الآمدي، سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد: الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق إبراهيم العجوز (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ت.) ، ج 2، ص 107. وفي ذلك عود إلى العلة في بعدها الخارجي من حيث هي وصف لمحل الحكم ظاهر منضبط.