هل يجب إخراج الزكاة عن الدين المؤجل كل سنة؟ أم يجوز تأخيرها إلى حين قبضه عن كل السنوات؟
أما الدين المؤجل كله إلى أكثر من سنة كما لو باع السلعة بثمن يقبضه كاملًا بعد ثلاث سنوات فالذي يظهر ما ذهب إليه الجمهور من جواز تأخير الزكاة إلى قبضه ما دام كله مؤجلًا؛ لأنه لم يقبض منه شيئًا والأصل في الزكاة أن تُخرج من المال ذاته.
وأما دين التقسيط فقد ذكر المالكية ما لو كان دينه مجزءًا أنه يزكي دينه إذا قبض الجزء الأخير [1] روهم ذكروه فيما إذا كان الجزء الأخير يتمم النصاب فنحن قد نُخرّج على قولهم هذا القول بأن الزكاة تجب عند القبض كاملًا.
والذي يظهر لي أن القاعدة في اعتبار الدين عروض تجارة تقتضي منا طرد التقييم كل سنة مع إخراج الزكاة أيضًا كل سنة ولا يؤجل إلى قبضه كاملًا لأن عملية التقسيط هي عملية تجارية يقابلها البيع والشراء للسلع.
فإن قيل: مقتضى ذلك أن يعامل المؤجل كله المعاملة ذاتها, فالدين المؤجل كله إلى ثلاث سنوات يقيّم كل سنة وتُخرج زكاته.
فنقول: ثَمّ فرق بينهما ولهذا فرق المالكية بين دين المدير والمتربّص فاعتبروا الأول مديرًا تجب عليه الزكاة كل سنة, والثاني متربصًا لا تجب الزكاة عليه إلا إذا قبضه لسنة واحدة طردًا لقاعدتهم في التفريق بين المتربص والمدير في عروض التجارة.
ولكننا وإن كنا لا نأخذ بهذا القول بل نأخذ بقول الجمهور في عدم الفرق بين المتربص والمدير في عروض التجارة [2] إلا أن الفرق يبقى في كيفية الزكاة وليس في
(1) المنتقى (2/ 100) .
(2) قد بينت في بحوث سابقة قوة قول الجمهور في مقابل قول المالكية وأن تفريق المالكية لا تؤيده أدلة زكاة عروض التجارة التي هي أصل إيجاب الزكاة في هذا الباب, كما أن مما يؤيد قول الجمهور أن إيجاب الزكاة حتى وإن كانت السلعة مما يُتربص بها له فوائد منها:
1 -تحريك دفة الاقتصاد فبدلًا من أن يتمسك التاجر بسلعته فإنه سيبيعها ولو بربح قليل كي لا تحتسب عليها الزكاة دون نماء. ولذا جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة. أخرجه = = الدارقطني في السنن 2/ 110, والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 107, قال البيهقي: هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر - رضي الله عنه - , وقال في موضع آخر 6/ 2: وقد رويناه من أوجه عن عمر وروي من وجه آخر مرسلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
2 -منع الاحتكار في السلع.
3 -تدفع التاجر نفسه للتحرّك وعدم الاستسلام للخسارة فإن من التجار من إذا اشترى سلعة ثم لم يجد من يشتريها بربح أو حتى بمثل ما اشتراها به فإنه يتمسك بها, فقول الجمهور بوجوب الزكاة يحمله على بيعها ولو بخسارة والتعويض من خلال متاجرة جديدة, وهذا الأسلوب وهو عدم التشبث بالسلعة مما يؤكد جدواه خبراء الاقتصاد.