ثم إن تأملت ما يترتب على التأخير من المفاسد الدينية والدنيوية ظهر لك رجحان القول بوجوب التعجيل لأن المرء لا يدري متى يموت فإذا عاجله الموت قبل الأداء بقيت زكاته في عنقه، فإن أوصى بها انتقل حال السعة الذي كان للهالك إلى الوصي فيسعه من التأخير ما وسع الأول حتى يحضر الموت ثم يموت والوصية في عنقه.
فإن أوصى بها وسع الوصي الآخر ما وسع الوصي الأول وهكذا فيفضي الحال إلى تعطيل الزكاة رأسا، وكفى بها مفسدة عظيمة.
وهذا المعنى نبه عليه شيخنا الصالح-رحمة الله عليه- فظهرت لنا به أكبر المصالح.
فأما ما أجبت به في المشارق فذلك مبني على التوسعة الدينية وهذا أمر عائد إلى سياسة العالم، ومراعاة صلاحيتهم في الدين والدنيا، وأن الفقيه المفتي كالطبيب الماهر يصف للعلة الواحدة إذا كانت في أشخاص متعددة أدوية مختلفة، فقد يصلح هذا ما يفسد هذا والله أعلم" [1] ."
وقال في جواباته في مسألة سئل عنها هناك: وأما رابعا: فقد ذكر ربنا تعالى لإخراج الزكاة وقتا معلوما بقوله"وآتوا حقه يوم حصاده" [2] وقد منع بعض العلماء تأخير الزكاة عن وقت الوجوب وإمكان الأداء حتى عدوا مؤخرها بعد ذلك عاصيا.
فإن قيل قد جعل الله لابن السبيل حقا في الزكاة بقوله:"إنما الصدقات للفقراء" [3] إلى قوله (وابن السبيل) فما بالك تمنعها من الضيف وهو ابن السبيل؟ قلت: لا أمنعها منه بل يعطونه إياها كما هي فما بالهم يطعمونه بها، أقبضها منهم ثم وكلهم ذلك حتى يكونوا وكلاء في طبخ طعامه؟ أم تراهم دفعوا بها من أموالهم مع أنه لا يدفع بها مغرم؟ ثم إن
(1) معارج الآمال ج 14/ 31، مرجع سابق.
(2) الأنعام: 141.
(3) التوبة: 60.