الصفحة 9 من 17

سلطان الله المغتصب، وإلى رد الحاكمية إلى صاحبها، والثورة على حاكمية البشر المزعومة، والتمرد الكامل في كل أرض تكون فيه مصدر السلطة للبشر"والمجتمع المسلم المتميز المستقل لا يعترف لأحد من البشر بالحاكمية فيه إلا لله وحده". كما يوضح قطب طبيعة الحاكمية التي يدعو إليها، وذلك بانتقاله من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق وإعطاء النموذج، لتكون أيسر على الفهم وأقرب إلى الواقع، يقول:"ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم -هم رجال الدين- كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة كما كان الحال فيما يعرف باسم الثيوقراطية، أو الحكم الإلهي المقدس، ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة ... وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية". فالحاكمية في نهايتها ترجع إلى معنى حاكمية الوحي، أو سيادة الشريعة الإسلامية، فإعلان الحاكمية الإلهية لا يفهم منه إلا أن تكون شريعة الله حاكمة سائدة سيدة على غيرها من القوانين، وأي قانون يعارضها يقضى عليه بالإلغاء والإبطال. يقول قطب:"حين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده ـ متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية، يكون هذه الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررًا كاملًا حقيقيًا من العبودية للبشر". ويجعل قطب سيادة الشريعة تطبيقًا عمليًا لمدلول الحاكمية العليا في التصور الإسلامي، ويستعملهما على أنهما مترادفان في الدلالة، للتعبير عن معنى عملي وتطبيقي، ويعطي قطب للحاكمية بعدًا واسعًا، حيث لا يحصرها في تلقي القوانين من الله، والتحاكم إليها دون سواها. بل يعتبر هذا المعنى ضيقًا ولكن يعطيها معنىً واسعًا لتشمل كل أنظمة الحياة ومقوماتها، فهي تشمل أصول الاعتقاد، وأصول الحكم وأصول الأخلاق وأصول السلوك وأصول المعرفة. وبذلك فالحاكمية عند قطب تتصف بالشمولية والكلية. ولقد شكلت فكرة الحاكمية كما رأينا عنده منعطفًا حاسمًا في فكره وآرائه وأحكامه، في قضايا أساسية لها تعلق بقضايا السياسة والحكم، وتعتبر فكرة الحاكمية هي آخر فكرة أسس عليها سيد قطب فلسفته في كل ما كتب، حيث مثلت الحاكمية تيارًا سرى في كل ضروب مؤلفاته الأخرى. ... وما يلاحظ على سيد قطب أنه بالغ في تحديده للأبعاد العقدية للحاكمية، حيث بلوره في إطار مفهوم توحيدي خالص، فالمتأمل في ما كتبه سيد قطب يمكن أن يلاحظ شيئًا اسمه توحيد الحاكمية، والحقيقة أن إدخال الحاكمية ضمن المفاهيم العقدية الخالصة، والمصطلحات التوحيدية، له خطره في تطبيقاته على مستوى الواقع، لأن ارتباط الحاكمية بقضايا أصول الدين يجعل الأحكام التي تخرج عليه لها تعلق بالكفر والإيمان، لكن الأمر يختلف عند إبقاء هذا المفهوم ضمن المفاهيم الفقهية والسياسية، مع الإقرار بالأبعاد العقدية التي يحملها المفهوم. ... 3. طه جابر العلواني وفكرة حاكمية القرآن ... يعدّ القول بفكرة حاكمية القرآن من الأطروحات الحديثة والتي تحاول استبدال ما يتضمنه هذا المفهوم بغيره من المفاهيم الرائجة قصد إخراج المصطلح مما يعانيه من غموض وإشكال، حيث يرى العلواني القائل بهذه الفكرة أن الحاكمية الإلهية"جذرًا فلسفيًا وفكريًا وثقافيًا متشعب الفروع، ومتعدد الاتجاهات، تمثل فروعه واتجاهاته المختلفة دائرة فلسفية وثقافية تتسع أو تضيق لكنها في سائر الأحوال تتصل اتصالًا وثيقًا بالنسق المعرفي الذي ينتمي المفهوم إليه. ويتصل هذا المفهوم"بمصادر معرفة النسق ونظرية معرفته وفلسفتها ومقاصدها وإطار النسق المرجعي وواقعه التاريخي إن كان له تجسيد في التاريخ". واستبعد العلواني أن لا يكون للمفهوم خبر أو تجسيد في التاريخ ويرى وجوب"تتبع آثار المفهوم ونتائجه ثم مصادر بنائه وموارده في مختلف جوانب الحياة الفكرية والثقافية". وقد أطلق الوعي الكاذب على عملية الربط بين الجذر اللغوي الذي يحتل عنوانًا، وبين بعض أنواع الاستعمال. وفي رأي العلواني أن مفهوم الحاكمية الإلهية خلال العقود القليلة الماضية جرى تداوله بأشكال مختلفة من مدارس فكرية متنوعة. فبعضهم تناول المفهوم كما يتناول الشعر بحيث يكتفي لمتناوله أن يقوم بتحليله ثم تركيبه ليكشف معناه، وبعضهم تناوله باعتباره واحدًا من أهم مقاصد الشريعة يمكن أن يعتبره أصلًا يفرع عليه أحكامًا وفروعًا. واعتبر العلواني أن هذه التناولات زادت المفهوم غموضًا، ورأى ضرورة استحضار بعض المعالم لتكون عونًا على فهم هذا المفهوم والوصول إلى نوع من الدقة والتحديد في مقاربته، منها: ... فكرة الإمامة القائمة على الجعل الإلهي التي تأخذ شكل عهد إلهي، بين الله، وبين"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت