الجماعية ما هي إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله. ويدخل قطب كل المجتمعات سواء كانت عربية أو اتسمت بالإسلامية في إطار المجتمعات الجاهلية عند فقدها شرط الحاكمية إقرارًا وتطبيقًا، لأن معيار إسلامية المجتمع عند قطب يتحدد في مصدر تلقي النظم والشرائع والقيم والموازين والعادات والتقاليد وكل مقومات الحياة، هل تتلقى من الحاكمية الإلهية، فتدين بذلك له، وعلى هذا الأساس تدخل في عداد المجتمعات المسلمة، أم أن هذه المجتمعات تتلقى ذلكم من حاكمية البشر، ولا تدين بالعبودية لله وحده، في نظام حياتها، فتكون بذلك ضمن المجتمعات الجاهلية، وإن اعتقدت بألوهية الله تعالى وقدمت له سائر الشعائر التعبدية. فمعقد الفك والربط، والفصل والوصل عند قطب هو مفهوم الحاكمية الإلهية باعتبارها معيارًا فاصلًا بين الكفر والإيمان. ... اقتران الحاكمية بالمفهوم التوحيدي: كان سيد قطب لا يرى أي فرق بين مفهوم شهادة التوحيد ومفهوم الحاكمية، إذ إنّ احدهما صِنْوُ الآخر، وأحدث نوعًا من التقابل بين مصطلح الحاكمية وشهادة التوحيد، وهذا التقابل الذي أحدثه قطب يستند إلى مصطلح"الألوهية"حيث يقول:"فلقد كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا، وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بها معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده كله إلى الله، السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والابدان". فلفظ"الإله"الذي هو أحد الأبنية الأساسية في شهادة التوحيد، يخرج عليه قطب أهم خاصية لصيقة به ولا تنفك بحال عنه وهي الحاكمية، ثم يجعل هذا الجزء مرادفًا للكل لتصبح شهادة التوحيد دالة على معنى واحد، وهو الحاكمية العليا، فقطب يبين أن قاعدة الألوهية هي الأساس للدين كله، ويعبر عن هذا المعنى بقوله:"إن طبيعة الدين هي التي قضت بهذا، فهو دين يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة، كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير". وقد عبر قطب في غير موضع أن الحاكمية أهم خصائص الألوهية، وهو بذلك يعتبر أن الدين قائم على مبدأ الحاكمية. ويقول في موضع آخر:"فالإسلام منهج للحياة البشرية، وهو منهج يقوم على إفراد الله وحده بالألوهية متمثلة في الحاكمية". وفي تفسيره لآيات الحكم في سورة المائدة، يقول:"يتناول هذا الدرس أخطر قضية من قضايا العقيدة الإسلامية، والمنهج الإسلامي، ونظام الحكم والحياة في الإسلام، ... إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي ومن ورائها قضية الألوهية والتوحيد والإيمان". فسيد قطب يجعل قضية الحكم من أهم قضايا العقيدة والإيمان، بل ويعتبرها مسألة كفر أو إيمان، إسلام أو جاهلية، وهذه أحكام لها متعلقات عقدية، يقول سيد قطب:"إن المسألة -في هذا كله- مسألة إيمان أو كفر، أو إسلام أو جاهلية، وشرع أو هوى، وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله -لا يخرمون منه حرفًا ولا يبدلون منه شيئًا- والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله."... حاكمية الله وحاكمية البشر: يطرح قطب علاقة جدلية بين حاكمية الله وحاكمية البشر مؤسسة على التنافر والتضاد وعدم المصالحة، إذ اجتماعهما متعذر وتوافقهما ضرب من المستحيل، لأن قطب يطرح مفهومًا أحاديًا للحاكمية، وهي الحاكمية الإلهية، فإما أن توجد الأولى، ويكون بذلك المجتمع إسلاميًا، وإما أن توجد الثانية فيكون المجتمع جاهليًا، وتصبح الألوهية في المجتمع الجاهلي للبشر، وتتخذ صورًا وأشكالًا. وبذلك يرى قطب أن إعلان ألوهية الله تعالى وحده تعني"الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها، وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور، أو بتعبير آخر مرادف الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور ذلك أن الحكم الذي يرد الأمر فيه للبشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابًا من دون الله، إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مقام العبيد، إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض". فهذا التنازع بين حاكمية الله وحاكمية البشر يطرحه قطب بقوة وعنف شديدين لتسود حاكمية واحدة، والتأليه البشري الذي يتحدث عنه قطب ليس منصبًا أو مقامًا أو ذاتًا، وإنما هو خصيصة الحاكمية التي من اتصف بها ومارسها، فقد تقلد صفة الإله يرفعه إلى مقام الرب، ولهذا فالحاكمية صفة ملازمة لمبدأ الألوهية، ومن ادعاها فقد انتزع سلطان الله اغتصابًا، وبناء على هذا فقطب يدعو بقوة إلى انتزاع