مبادئ الإسلام، ومحاولة إصباغها بصبغة إسلامية تتفق مع قواعد الدين الإسلامي. فيقول مثلا:"... فمن هذه الوجهة يعد الحكم الإسلامي ديمقراطيا، إلا أنه إذا وجد نص من أمراء المسلمين أو مجتهد أو عالم من علمائهم وليس لمجلس تشريعي لهم، بل وليس لجميع المسلمين في العالم أن يصلحوا أو يغيروا من كلمة واحدة، فمن هذه الجهة يصح عليها إطلاق كلمة الثيوقراطية". ... ومن هذه الأهداف كذلك سهولة نقد الفكر الغربي السياسي بإحداث مقابلة بينه وبين الفكر السياسي الإسلامي في مضامين المصطلحات، فيقول مثلا:"هذه خصائص الديمقراطية وأنت ترى أنها ليست من الإسلام في شيء، فلا يصح إطلاق كلمة الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية ...". ... وما انتهى إليه المودودي هو أن النظام السياسي الإسلامي يختلف عن النظام السياسي الغربي، وإن تشابهت المصطلحات فإن المضامين مختلفة، وهذا ما أدى بالمودودي إلى محاولة ابتداع مصطلحات جديدة، منها ما أسماه بـ:"الثيوقراطية الديمقراطية أو الحكومة الإلهية الديمقراطية"وإن كان المودودي قد حاول ابتكار مصطلحات سياسية إسلامية جديدة، إلا أنه بقي في ظلال تلك المصطلحات آثار من الفكر الغربي، خاصة ما يعرف بنظرية الحق الإلهي التي عاشها الفكر الغربي مرحلة من الزمن. ... وعلى الرغم من الخطوات الجادة التي خطاها المودودي محاولًا بذلك صياغة نظرية الإسلام السياسية، التي ترتكز على مفهوم الحاكمية، إلا أنه استرجع فترة تاريخية وقام بعملية إسقاط ومقابلة في جانب المصطلحات والمضامين، وكان الأجدى والأنفع لو أن المودودي شرح النظرية السياسية الإسلامية بصياغة إسلامية مستقلة في مصطلحاتها، ومتميزة في أسسها ومبادئها دفعا لبعض التشابه الذي يمكن أن يلاحظ بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي. ... 2. سيد قطب وتطوير مفهوم الحاكمية ... يُعَدُّ سيد قطب صاحب النموذج التوحيدي لمفهوم الحاكمية وإن لم يكن أول قائل به حيث سبقه المودودي في ذلك لكن يعد سيد قطب أول من طور الأبعاد العقدية والتوحيدية في المفهوم بحيث طغت على غيرها من الأبعاد التي يتضمنها، ويفسر سيد قطب الحاكمية -ويصطلح عليها بالحاكمية العليا- على ضوء معاني الألوهية، ويرى أن مفهوم الحاكمية معناه"نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، ورده إلى الله، السلطان على الضمائر، والسلطان على العشائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والأبدان". ويطرح سيد قطب فكرة الحاكمية نفسها التي أحياها وبعث روحها المودودي، والملاحظ أنه لا خلاف ولا تمايز في فكرة الحاكمية بين المودودي وقطب في الحقيقة والجوهر، إذ صياغة قطب ترجع في أصلها إلى نفس المعاني التي أسسها المودودي. إلا أن المودودي طرح فكرته في إطار مشروع تأسيس دولة الباكستان الإسلامية، وصياغة دستورها، وإعطاء البدائل السياسية والقانونية والدستورية للنظريات الغربية، وفلسفاتها التي كانت سائدة في البلاد ومهيمنة على الدوائر الحكومية، ولهذا غلب عليها طابع الشرح والإيضاح والتنظير والتأسيس والمقارنة. أما قطب فطرح فكرته في إطار مواجهة ما يسميه بالجاهلية المعاصرة التي كانت تدعمها الدولة الوطنية في مصر،"ويمكن القول بأن حاكمية قطب كانت رد فعل على تجربة الدولة الوطنية في مصر، وعلى الدولة الناصرية بوجه أخص". ويقيم قطب فكرة الحاكمية في إطار استحضار معاني الجاهلية المعاصرة، وبناء على هذا التقابل والتفاعل بين الحاكمية والجاهلية، تتضح أكثر معالم الحاكمية عنده، ومن خلال هذا التقابل يمكن ملاحظة التفسير الحاد للصياغات التي يقدمها قطب. حيث يقول:"إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، جاهلية لا تخفف منها شيئًا هذه التفسيرات المادية الهائلة ... هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية". فالجاهلية عند قطب خطر داهم لأنه لا يتصالح مع الحاكمية، لأن الجاهلية عنده هي أن:"تستند الحاكمية إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أربابًا ... في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله". وتولي الجاهلية صفة الحاكمية ينتج عنه اعتداء على الإنسان، ولهذا يرى قطب أن مهانة الإنسان في الأنظمة