الصفحة 6 من 17

بالسلطة والتشريع، بل وبالحاكمية، فهناك حاكمية إلهية مطلقة، وهناك حاكمية شعبية ترجع إلى الإنسان باعتباره خليفة عن الله تعالى، ولكنها مقيدة بالحاكمية الإلهية، فالنصوص الأولى العامة المطلقة للمودودي في حديثه عن الحاكمية ينبغي أن تفهم في إطار النصوص الأخرى التي فيها تحديد وصياغة دقيقة لمفهوم الحاكمية. ... الحاكمية بوصفه مفهومًا توحيديًا: يعد المودودي أول من ربط الحاكمية بمفهوم الإيمان والتوحيد، وأعطى للمفهوم صبغة عقدية، وذلك عندما ربطه بمفهوم الألوهية، حيث يقول:"أول أساس من أسس الدين هو الإيمان بحاكمية الله فهو مالك السموات والأرضين وكل ما فيهما ملك له وحده، تأسيسًا على قوله تعالى:"لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ". (البقرة: 284) . بل يجعل المودودي من الحاكمية بعد صياغتها شبكة تؤثر في كل محور وتتعدى إلى كل مجال، فإذا كان الحديث عن مفاهيم عقدية كان حديث المودودي عن الحاكمية الخالصة لله وحده الذي له علاقة بالإيمان والتوحيد، وإذا كان الحديث عن الجانب السياسي والقانوني، انتقل المودودي إلى الحديث عن الحاكمية السياسية والحاكمية القانونية، ونورد هنا نصًا للمودودي يبين فيه معنى الحاكمية باعتباره مفهومًا توحيديًا وسياسيًا وقانونيًا وتشريعيًا في الوقت نفسه. حيث يقول:"ينبغي علينا لكي نفهم نطاق التشريع الإنساني ومنزلة الاجتهاد في الإسلام أن ننبه لأمرين: الأول أن الحاكمية في الإسلام خالصة لله وحده، فالقرآن يشرح عقيدة التوحيد شرحًا بيّن أن الله وحده لا شريك له، ليس بالمعنى الديني فحسب بل بالمعنى السياسي والقانوني كذلك، فهو الحاكم والمطاع وصاحب الأمر والنهي، والمشرع الذي لا شريك له. يوضح القرآن توضيحًا تامًا حاكمية الله القانونية ويقدمها جنبا إلى جنب مع عقيدة معبوديته الدينية، ويؤكد على أن هاتين الصفتين هما المقتضيات اللازمة لألوهيته تعالى، وأن كلًا منهما لا تنفصم عن الأخرى، وإنكار إحداهما يسلتزم بالضرورة إنكار ألوهية الله، ولم يدع القرآن مجالًا يظن منه احتمال فهم القانون الإلهي على أنه قانون الفطرة، بل على العكس أقام دعوته على أساس حتمية تسليم الإنسان بقانون الله الشرعي في حياته الأخلاقية والمجتمعية، وهو القانون الذي بعثه الله على يد الأنبياء، وقد سمى قبول هذا القانون الشرعي والتخلي أمامه عن الحرية الشخصية إسلامًا ورفض في عبارات وألفاظ واضحة حق الإنسان في أن يفصل برأيه في الأمور التي أصدر الله ورسوله فيها حكمًا وفصلًا. والأمر الثاني الذي تساوى وتوحيد الله في الإسلام هو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء ..."... والخلاصة أنّ المتتبع للفكر السياسي للمودودي، وللنظرية السياسية التي صاغها، يجد فيها مساحات واضحة من الفكر الغربي، تتمثل أساسًا في المصطلحات التي وظفها المودودي أثناء التنظير للنظرية السياسية. ولا يفهم من هذا التأثر أن المودودي قبل بمضامين الفكر الغربي، وروّج لنظرياته السياسية، بل على العكس من ذلك فقد وقف منه موقف النقيض. وحضور الفكر الغربي في أطروحات المودودي كان بمصطلحاته لا بمضامينه، حيث وظف جملة من المصطلحات التي راجت في الفكر الغربي، في نظريته السياسية، التي يمكن ملاحظتها في:"الخلافة الجمهورية"،"الثيوقراطية الديمقراطية"،"الحكومة الإلهية الديمقراطية"،"الديمقراطية الإسلامية"، وهذه العبارات أوردها المودودي كأوصاف نعت بها النظام السياسي الإسلامي. وهي في حقيقتها وليدة الفكر الغربي، ونتاج لبعض نظرياته السياسية، ولكن توظيف المودودي لها في أطروحاته السياسية كانت لأسباب ومبررات منها رواج هذه المصطلحات وشيوعها في البلاد، وشيوع النظريات الغربية السياسية بين عامة المثقفين، وتولي العلمانيين والشيوعيين والقاديانيين والمستغربين مناصب في دوائر حكومية في النظام السياسي القائم في باكستان. ... فالمودودي أراد أن يتكلم بلغة يفهمها الجميع، المسلم وغيره، خاصة وهو يعيش في دولة متعددة الأعراق والأديان، فتوظيف المصطلحات الإسلامية الخالصة قد يفوت على كثير من الناس استيعاب جوهر الفكرة السياسية الإسلامية، فأبقى على بعض المصطلحات الغربية التي لها وضوح عند الناس، وعراها من حقيقتها واستبدلها بالمضامين الشرعية والإسلامية. وبذلك فالمودودي استهدف من خلال توظيفه للمصطلحات الغربية جملة أهداف منها توظيف المصطلح السياسي الغربي، في المنظومة السياسية الإسلامية، لتقريب الفهم وإيصال الخطاب السياسي الإسلامي إلى الرأي العام. ومن الأهداف أيضًا تعرية المصطلحات الغربية من المضامين التي تخالف"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت