الحاكمية القانونية عند المودودي قائم على مبدأين أساسيين هما: الإسلام، والإيمان. فالإسلام يمثل القوانين والتشريعات، والإيمان يمثل الإذعان لتلك القوانين، ورفض القوانين معناه الخروج عنها، والخروج عن الإسلام والإيمان، ولهذا اقتضى معنى الكفر الصريح عند المودودي. ... الحاكمية السياسية: يذهب المودودي إلى أن مرد الحاكمية السياسية وصاحبها هو الله تعالى. حيث يقول:"وربما يتساءل سائل: فلمن الحاكمية السياسية إذن؟ فالجواب الوحيد الصريح لهذا السؤال أنها لله تعالى، ولا يمكن أن يكون لهذا السؤال جواب آخر". فالمودودي يجعل الحاكمية السياسية حقًا لله تعالى، وإن قامت نفذت شريعة الله تعالى، بالقوة السياسية. ويربط المودودي بين الحاكمية القانونية، والحاكمية السياسية ربطًا عضويًا، ولا يتأتى في نظره إحداث فصل بينهما، حيث يجعل كلًا من الحاكميتين معنيين متضايفين على سبيل التلازم، فيقول:"ومن الظاهر أن القوة التي لا تجّوز الحاكمية القانونية والتي يضيق صلاحياتها قانون أعلى لا قبل لها بالتغيير فيه لا يمكن أن تكون حاملة للحاكمية". فالمودودي جعل الحاكمية السياسية أمرًا يترتب على من يحمل الحاكمية القانونية، فالسلطة المهيمنة التي لها صلاحيات مطلقة، لا تحد بقيد وشرط هي التي تستحق حمل الحاكمية. ... مفهوم الحاكمية بين الإبهام والإحكام: باستقراء النصوص التي كتبها المودودي حول فكرة الحاكمية، فإننا نلاحظ أن هناك إطارًا كليًا عامًا ناظمًا لفكرة الحاكمية بنوع من الشمول والعموم، قد يورث بعض اللبس والغموض، وهناك صياغة أكثر دقة وتحديدًا وإحكامًا بعيدة عن اللبس والإبهام. ففي الإطار العام لفكرة الحاكمية تحدث المودودي عن فكرة الحاكمية بأحادية خالصة لله تعالى في الأمر والتشريع، وحصر مفهوم السلطة الحقيقية في الله تعالى. ويقول:".. يعني أن الله هو الحاكم المطلق، وله وحده السلطة العليا المطلقة، يحكم ما يريد وليس للعباد حق المساءلة والنقاش في أحكامه .. فما حرمه الله فهو حرام لا لشيء إلا لأنه تعالى حرمه، وما أحله ليس لتحليله سبب آخر سوى أن مالك كل شيء قد سمح لعباده باستخدامه أو فعله". ويقول:"ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فإن الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم". وحديث المودودي هنا عن مفهوم الحاكمية باعتباره منصبًا خاصًا وخالصًا لله تعالى لا يشاركه أحد ولا ينازعه فيه، وهذه عبارات قد يفهم منها أن المودودي قد جرد الإنسان من أي حق في أن يكون مصدرًا للسلطان في أي شأن من شؤون الحياة، وجرده من كل حق في التقنين أو التشريع، أو التنفيد سواء كان فردًا أو جماعة. والحقيقة أن هذا اللبس يرد عليه المودودي نفسه حيث يقول:"قد يظن البعض حين يسمع هذه الحقائق أن الدولة الإسلامية بهذه الصورة لا مجال فيها أمام الإنسان على الاطلاق لقيامه بالتشريع والتقنين .. غير أن الإسلام في الواقع لم يغلق باب التشريع تمامًا في وجه الإنسان، وإنما حدده وضيق إطاره بأن جعل الحاكمية والسيادة للقانون الإلهي". فالمودودي هنا بصدد تحرير مفهوم الحاكمية وصياغته من منظور مبدأ الألوهية المهيمن بإطلاق، والذي يكون فيه موقف البشرية منه هو مطلق الطاعة والانقياد والمتابعة والاستسلام، ولم يتحدث هنا عن موقف الإنسان من مبدأ الحاكمية من منظور إنساني، كما لم يتعرض هنا لوظيفة الإنسان تجاه مبدأ الحاكمية. وبناء على هذا إذا تعرضنا لنصوص المودودي الأخرى نجده يعطي مجالًا اجتهاديًا للإنسان في التقنين والتشريع، بل ويعطي له حاكمية وإن كان يقيدها بالحاكمية الإلهية. وبذلك فلا يفهم من هذه الصياغات أن مهمة الإنسان هي التلقي والتطبيق دون اجتهاد أو حق في السلطة أو التقنين أو التشريع كما فهمه بعض الباحثين. وإنما كان هذا اللبس لأن المودودي تحدث عن مفهوم الحاكمية من منظور إلهي، لا من منظور إنساني. وأما صياغات المودودي الأخرى لمفهوم الحاكمية فهي أكثر ضبطًا وتحديدًا حيث يقول:"إن الحق تعالى وحده هو الحاكم بذاته وأصله، وإن حكم سواه موهوب وممنوح". فالمودودي هنا يفرق بين نوعين من الحكم، حكم الله تعالى المختص به أصالة، وحكم الإنسان الممنوح والموهوب، حيث يقول:"وهنا يمكن أن يظهر في الخلافة معنى الحاكمية والسلطان باعتبار أنها خلافة إلهية ونيابة عن الحاكم الأعلى". ويقول:"فهو - الإنسان - حاكم الأرض لكن حكمه لها ليس في ذاته وأصله، بل هو حكم مفوض إليه". فهذه صياغات لمبدأ الحاكمية تقر بمبدأ استقلال الإنسان بالحكم، وانفراده