الإسلام، وقد صاغ المودودي فكره السياسي"ومنه ما كتبه عن الحاكمية ما بين 1937 - 1941 م، عندما كانت الحاكمية في الهند للاستعمار الانجليزي وهي سلطة بشرية جاهلية كافرة، وكانت تلوح في أفق الهند المستعمرة يومئذ صورة الهند المستقلة كما تصورها"حزب المؤتمر"دولة قومية ديمقراطية علمانية ـ على النمط الغربي ـ وفيها ستكون الحاكمية للجاهلية الهندوكية الكافرة وأمام هذه الحقيقة أعلن المودودي بأعلى صوته عن كفره بهذه الحاكمية البشرية وركز على الجانب الإلهي من الحاكمية". فقد نشأت فكرة الحاكمية عند المودودي وسط مجموعة ظروف سياسية واجتماعية حرجة مرت بها دولة الباكستان، وكان لخصوصية الزمان والمكان دور ومساهمة في بلورة الفكرة وتطورها، إذ أن المودودي كغيره من المفكرين تفاعل مع مختلف الأحداث السياسية والاجتماعية للبلاد، محاولًا بذلك إعطاء إجابات إسلامية لمختلف النوازل التي تحل بالبلاد. ويمكن إرجاع ظروف نشأة فكرة الحاكمية عند المودودي إلى جملة من الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية. كما كانت فكرة الحاكمية نتاجًا لتحديات سياسية عاصرها المودودي، باعتباره داعية لمشروع إسلامي، يحتك بالساحة السياسية، وكما هو معروف أن فكرة الحاكمية نالت نصيبًا أوفى في كتابه"تدوين الدستور الإسلامي"، وحقيقة هذا المؤلف رد على صرخة تحد خرجت من أفواه العلمانيين وقتها حيث قام المحامي أ. ك. روهي متحديًا بأن من استطاع أن يثبت لي أن القرآن يشتمل على مبادئ دستورية فله جائزة خمسة آلاف روبية، وقام المودودي بالتصدي لهذا التحدي والرد عليه فألف"أسس الدستور الإسلامي في القرآن"، وألقى محاضرة في كراتشي بعنوان"تدوين الدستور الإسلامي"، وهذا ما جعل المحامي بوهي يقتنع بالأفكار التي طرحها المودودي، وساهم بعد ذلك في تقديم مشروع دستوري في المجلس التأسيسي موافقًا للدستور الإسلامي. ... أهمية الحاكمية في فهم الفكر السياسي للمودودي ... إن المتتبع للفكر السياسي للمودودي يجد أن فكرة الحاكمية شكلت حجر الزاوية في بناء منظومته السياسية، ولا يمكن فهم نظريته السياسية فهمًا صحيحًا بعيدًا عن الغلو أو التعصب، بمعزل عن فكرة الحاكمية التي تعتبر الأساس الناظم لفكره، سواء في كتاباته السياسية والتي ظهر فيها هذا بشكل واضح المعالم، أو في كتاباته الأخرى المتفرقة والتي نلمس فيها آثارًا واضحة لها. يقول محمد عمارة: إن الحاكمية هي مفتاح فهم المودودي، ونحن لن نستطيع فهم الجديد الذي انفرد به عن سابقيه من أعلام الصحوة الإسلامية الحديثة إذا لم نفهم مفهومه للحاكمية .. إن الحاكمية هي مفتاح فهم حقيقة أغلب ما كتب الرجل في أغلب الميادين التي ناضل فيها بالكلمة وبالعمل لتجسيد هذه الكلمة في واقع الحياة. ... معنى الحاكمية عند المودودي: يبيّن المودودي الحاكمية بقوله: تطلق هذه الكلمة على السلطة العليا والسلطة المطلقة على حسب ما يصطلح عليه اليوم في علم السياسة. فالحاكمية بهذا المعنى هي السلطة العليا المهيمنة على غيرها من السلطات، وهذا التعريف الذي أورده المودودي قريب من تعاريف المفكرين الغربيين لمفهوم السيادة. كما يقسم المودودي الحاكمية الإلهية إلى قسمين حاكمية الله القانونية، وحاكميته السياسية، ويتأسس مفهوم الحاكمية عنده بالمعنى السياسي والقانوني على هاتين القاعدتين. ... الحاكمية القانونية: يجعل المودودي مسألة الحاكمية القانونية لله تعالى وحده، استنادًا إلى صيرورة شؤون هذا الكون على حاكميته الواقعية، لأن الله تعالى حاكم على الناس من غير شريك ولا منازع. ويستدل المودودي على حاكمية الله القانونية بقوله تعالى:"إِن الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ". (يوسف: 40) ، وقوله تعالى:"اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ" (الأعراف: 3) ،. ويجعل المودودي الكفر الصريح معنى مقابلا للحاكمية القانونية بدليل قوله تعالى:"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ" (المائدة: 44) . وينتهي المودودي إلى حصر معاني الحاكمية القانونية في الأحكام ممثلًا في الإسلام، وفي الإذعان ممثلًا في الإيمان. فالأحكام التي تضمنها الإسلام والشرائع التي جاء بها في شتى شؤون الحياة، تمثل قوانين أصدرها الله تعالى بمقتضى حاكميته، ومن هنا أوجب المودودي حصر معاني الحاكمية القانونية في مبدأ الألوهية، واعتبر الجحود لها والخروج عنها كفرًا صريحًا لأنه خارج عن أحكام الإسلام، ومروقًا عن مقتضى الإيمان. وبناء على ذلك فإن مفهوم