الصفحة 3 من 17

المستوى الثالث: السنة النبوية والآثار ... وردت أحاديث نبوية تضمنت بعض اشتقاقات الجذر اللغوي (ح. ك. م) بدلالات ومعانٍ مختلفة نورد بعضا منها. عن عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا. يقول الكرماني: لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي، ويفضي إلى الكمال العملي، وبكليهما إلى التكميل، والمراد بها معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها، أي الشريعة. وعَنْ عَائِشَةَ قالت: ... فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ. وعَنْ هِشَامٍ قَالَ: قَالَ أَبِي: فَأَخْبَرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ... بالنظر إلى معاني الجذر (ح. ك. م) في اللغة والشرع، نلاحظ أنّ ثمة فروقًا دقيقة؛ فاللغة لها دلالتها المتلقاة من لسان العرب، وهو الأصل المعتبر والأساس الذي يرجع إليه لمعرفة معنى اللفظ، والدلالة الشرعية هي المتلقاة من الشرع (الكتاب والسنة) وهو إطلاق شرعي، وليس شرطا أن تبقى الدلالة الشرعية حبيسة الاستعمال اللغوي، ولكن قد يضيف الشرع معاني جديدة ويستقل بمصطلحات شرعية متميزة مغايرة لما ألف، ومع هذا تجدها مؤسسة على المعنى اللغوي، وكذلك الاصطلاح العلمي قد يخرج عن المعنى اللغوي والشرعي لتواضع علمي معين، وقد يتطور ويتغير بمرور الزمان وتغير المكان وتطور الفكر وإعمال العقل، بل إنّ اللفظ الواحد قد تجد له معاني متعددة مختلفة بتعدد واختلاف العلوم. ونجد أن مفهم الحاكمية من هذا القبيل، فهو مصطلح تختلف دلالاته ومعانيه باختلاف الحقول المعرفية التي تبحث فيه، فقد يتعلق بأصول عقدية، أو بمعاني فقهية، أو بأمور قضائية وسياسية. ومن خلال العرض الذي سبق بيانه يتبين التطور الدلالي للحاكمية، فهناك وضع لغوي عرفه اللسان العربي بدلالاته المعروفة، وبمجيء الإسلام زاد الكتاب والسنة النبوية معاني أخرى لم يعرفها التداول العربي قبل مجيء الإسلام، حيث زادت الأصول الشرعية مادة غزيرة تتعلق بهذا المفهوم وصلت في البحث إلى إثني عشرة معنى، وهذا يكشف عن تطور الدلالات التي يحملها هذا اللفظ، حيث تم الانتقال من العرف العربي إلى العرف الشرعي، ومع هذا التداول الشرعي المتميز للمفهوم فإن الإصطلاحات العلمية في مختلف المجالات أضافت دلالات أخرى جديدة، فيلاحظ معاني أصولية وأخرى فقهية، وسياسية وقضائية ومنطقية، مما أبان عن مادة هذا المفهوم الخصبة، وهذا التغاير في الاستعمال والتداول عبر فترات زمنية مختلفة، كشف عن التطور التاريخي للمفهوم في المعاني العرفية والشرعية والاصطلاحية، وبناء على هذا فإن المصطلح لا يطلق على عواهله ويوظف باطلاق بقدر ما أنه ينبغي ملاحظة الدقة في توظيفة وتداوله وبناء الأحكام على أساسه. ... ثانيًا: آليات النماذج الكبرى في التعامل مع مفهوم الحاكمية ... هناك آليات مختلفة تعاملت مع مفهوم الحاكمية قصد تأطيره في منظومة فكرية معينة أو تحديده ضمن نسق معرفي معين، وهذه الآليات تشكل في حقيقتها اتجاهات فكرية تميزت في عرضها وتنظيرها، وليس المراد هنا استقراء كل الآليات التي ناقشت هذا المفهوم لأن هذا البحث لا يتحمله، ولكن القصد هو عرض آليات أشهر النماذج الكبرى التي تعاملت معه. ... 1. أبو الأعلى المودودي وتأصيل مفهوم الحاكمية: ... وهذا النموذج حاول عرض مفهوم الحاكمية بأبعاده السياسية والقانونية والدستورية مع محاولة إضفاء الأوصاف العقدية عليه، وبذلك كانت المحاولة تستهدف الربط بين الخصائص العقدية التي يحملها هذا المفهوم والأبعاد السياسية التي يتضمنها، ويعتبر المودودي أول من ابتدع مصطلح الحاكمية، وبعث روحه في العصر الحديث، وكان له السبق في تأسيس نظرية سياسية من منظور إسلامي ترتكز على مفهوم الحاكمية. كما يعد أول من وظفه توظيفًا سياسيًا محضًا، وقد عرض المودودي فكرة الحاكمية في إطار رسائل ومحاضرات تتعلق بقضايا السياسة والقانون والدستور. حيث بحث المودودي فكرة الحاكمية في إطار المسائل الأساسية للدستور الإسلامي، وتعرض للحاكمية في أول المسائل التي أثارها باعتبارها مفتاح المشكلة في المنظومة الدستورية في نظره. ويلاحظ أن مفهوم الحاكمية يتحكم في كل كتاباته خاصة ما يتعلق بنظام الحكم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت