الصفحة 10 من 17

الإنسان، وهذا العهد لا يناله الظالمون، وبروز قيمة العدل مقابلًا للظلم باعتبار أنّ العدل الهدف الأول بعد التوحيد من أهداف الأنبياء ولمن يقوم بالإصلاح مقام الأنبياء من بعدهم. ... فكرة الاصطفاء الإلهي لارتباطها بعملية الجعل والاختيار، وهي محددة بمواصفات معينة. وهذه المعالم أخذت من قوله تعالى:"إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي. قال لا ينال عهدي الظالمين" (البقرة:124) . وقوله تعالى:"الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس" (الحج:75) . كما حاول العلواني باستخدامه لمنهج الاسترداد التاريخي الكشف عن بعض الأنظمة القانونية والتشريعية والاجتماعية التي عرفتها البشرية والتي قامت على أساس حكم إلهي أو حاكمية إلهية. واعتبر هذا المسلك عاملًا يساعد على الوعي بطبيعة فكرة الحاكمية بإطلاق، وتعرض العلواني إلى بني إسرائيل والنصارى كنموذج لذلك. ... الحاكمية الإلهية في التصور الإسرائيلي ... يرى العلواني أن الانضمام إلى شعب الله والدخول في مملكة الله في بني إسرائيل مشروط بتقبل حاكمية الله المباشرة والقبول بفكرة الإيمان بموسى وأخيه هارون عليهما السلام ويترتب على ذلك جملة أمور؛ الأمر الأول هوالخروج إلى الأرض المقدسة والإقامة فيها. والأمر الثاني هو تقبل ما ورد في الألواح التي جاء بها موسى عليه السلام. كما كانت مطالب بني إسرائيل تلبى وتعطى نظير مطلق الطاعة وكمال الانقياد للحاكمية الإلهية، ولكن في الوقت الذي ينحرف فيه عن الحاكمية الإلهية، يترتب العقاب الدنيوي أو الأخروي، وكان بنو إسرائيل نموذجًا في التمرد والخروج على الحاكمية الإلهية ومن هذه النماذج الردة الجماعية بمجرد مغادرة موسى، حيث عكفوا على عبادة العجل، ونبي الله هارون بين ظهرانيهم، وعتاب بني إسرائيل لنبي الله موسى على إخراجهم من مصر، وحرمانهم من الأطعمة ونحوها. ويرى العلواني أن بعد وفاة موسى وهارون تفرق بنو إسرائيل، وانحلت أواصر التضامن فيهم، وانخرط بعضهم في شعوب مجاورة، وعبدوا الأصنام وانتشرت فيهم الشدائد والمحن وكلما قام نبي فيهم تمردوا عليه وقتلوه، وفي مرحلة من هذه المراحل بعث الله داود وسليمان، وبهذه الرسالة حدث تغير في مفهوم الحاكمية المباشرة، وانتقلت إلى حاكمية استخلاف الأنبياء والمرسلين، الذين يحكمون في ذلك الوقت بشريعة الله. وتقوم الحاكمية الإلهية في التصور الإسرائيلي على مبادئ أساسية؛ المبدأ الأول اختيار الله تعالى أن يكون هو الحاكم المباشر لهذا الشعب، واختيار الله تعالى لأنبياء ورسل يأخذون منه التعاليم ليبلغوها إلى شعب بني إسرائيل، واعتبار أن الأسفار الأولى- العهد القديم -كلام الله المباشر، إضافة إلى الوصايا العشر. والمبدأ الثاني أن هذا الاختيار الإلهي جعل من شعب الله المختار بمنزلة أبناء الله وأحبائه. ... ويخلص العلواني إلى أن مفهوم الحاكمية الإلهية في النظام الديني اليهودي قائم على تعامل إلهي مباشر مع قوم معينين هم بنو إسرائيل، وأن الله أعطاهم العطاء وكل ما يريدون وما تشتهيه أنفسهم، وفي الوقت نفسه قابل هذه العطاء الخارق بعقاب خارق عند الانحراف والمعصية، فالعلاقة بين الله وشعبه المختار هي علاقة عهد مباشر. وبذلك يرى العلواني أن هناك تدرجًا في مفهوم الحاكمية في بني إسرائيل فمن الحاكمية الإلهية المباشرة إلى حاكمية الاستخلاف النبوي إلى حاكمية الملوك الأنبياء إلى حاكمية الملوك العاديين، كما أن مفهوم الحاكمية الإلهية أوجد آثارًا في كل جوانب الحياة العامة لليهود، فانعكس على رؤيتهم الكلية وتصورهم للإنسان والشريعة والكون والحياة، والعبودية والألوهية والنظام العام. ... الحاكمية الإلهية في النصرانية: يرى العلواني أن اضطراب العلاقة بالله والعلاقة بالكون وبالنفس والأنبياء جعل هناك حاجة إلى مجيء رسالة عيسى عليه السلام، لتقوم بعملية التصحيح والتقويم، وكانت رسالة عيسى معززة ومصدقة لرسالة موسى، فعيسى عليه السلام يحاول فيما جاء به أن يعيد إلى عقولهم وقلوبهم فهم التوراة روحًا ونصًا وليس نصًا فحسب. وعند محاولة المسيح تأكيد سيادة التوراة وتقديم رؤية في عملية تطبيقها بشكل سليم، وسد الباب أمام الأحبار والرهبان أثاروا تهمًا ورموا بها عيسى عليه السلام عند الحاكم الرومي، وقام هذا الأخير بتحويل محاكمته إلى حاكم الجليل، ومما دار بينهم قول الحاكم الرومي: ألا ترى أني أملك سلطة إطلاقك أو صلبك؟ رد عيسى عليه السلام: ليس لك سلطة تجاهي البتة ما لم تكن أعطيتها من أعلى. فاعتبر العلواني هذه العبارة من المسيح تأكيدًا لمبدأ التوراة بأن الحاكمية لله سبحانه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت