وتعالى يكلها إلى من يشاء أو يستخلف فيها من يريد. وبذلك تتلخص دعوة عيسى عليه السلام كما يراها العلواني في تأكيد ما جاء في التوراة، وفي تعزيز سلطان التوراة والتشريع الإلهي في مقابل سلطان الروم في ظل قوانينهم الوضعية، وفي إعادة الاعتبار للشريعة وأسسها وقواعدها ومقاصدها في أجواء مرحلة لا يستطيع التحرك بها بملء إرادته. ... الحاكمية الإلهية والرسالة الخاتمة: يرى العلواني أن المهام الأساسية التي كلف رسول الله صلى اله عليه وسلم بها لم ترد فيها إشارة إلى الحكم والحاكمية، وذلك انطلاقًا من بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى"إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة التي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضَلَّ فقل إنما أنا من المنذرين" (النمل: 91 - 92) . ويرى أن ممارسات النبي للقضاء والحكم والفتوى والتعلم كانت من منطلق النبوة لا منطلق السلطة والسلطان، ثم يفرق العلواني بين الملك والنبوة، حيث إنّ النبوة شيء يغاير الملك ويغاير السلطان، وذلك تأسيسا على الحوار الذي جرى بين العباس وأبي سفيان قبل فتح مكة، وجاءت أحاديث مؤكدة لهذا المعنى منها قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ارتجف أمامه من هيبته هون عليك، فإني لست بملك وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد. وبذلك يقرر العلواني أن"كل هذه الأمور تدخل في إطار محاولة نفي السلطة والتسلط والتأكيد على المفهوم النبوي في الحكم، فهي نبوة قائمة على تلاوة القرآن تلاوة آياته وتعليمها وتربية الناس وتقويم سلوكهم بها، وحتى ممارسة ما يعتبر تصرفات سياسية كان يتم من منطلقات تربوية تعليمية أو منطلقات سلطوية، وهذا هو الفارق الأساسي بين حكم النبوة وحكم ما سواها."... الفرق بين الحاكمية الإلهية وحاكمية الكتاب: حاكمية الكتاب عند العلواني تعني أن"يكون الإنسان مسؤولًا عن متطلبات ومستلزمات القرآن الكريم وتوفير سائر الضمانات التي تقتضيها القيم العامة المشتركة بين البشر، قيم العدل والأمانة والهدى، فهو مطالب بأن يقرأ هذا القرآن قراءة منهجية تقوم على قراءته، وقراءة الكون معه في منهج يجمع بينهما في قراءة جامعة موحدة لا ينفصل فيها أي منهما عن الآخر، ففي الوقت الذي يقوم فيه بالتلاوة والتدبر والتأمل يقوم فيه كذلك بالملاحظة والتتبع والتأمل والاستقراء لسنن الكون، ويقوم العقل أو الفؤاد بالجمع بين ما يتحصل عليه من المصدرين الوحي المقروء والكون المنشور ويدمج بينهما ... وتهدف هذه المنهجية إلى استخلاص"النتائج منهما بشكل منضبط، فتستكمل القوانين الضابطة للحياة والقواعد المنهجية التي يمكن للإنسان أن يهتدي بها". في سبيل الخروج"من دائرة التناقضات والثنائيات المتصارعة الناجمة عن تلك القراءات المنفردة، القراءات المبتسرة التي تجعله ممزقًا بين الثنائيات. وهذه الحاكمية التي يتحدث عنها العلواني يعززها عموم الشريعة وشمولها، وهذه الفكرة كفيلة في نظره ألا يحول القرآن"إلى قراطيس يستقل بحفظها فريق من الناس ويجهلها الأكثرون، بل هو كتاب مفتوح معلن يستطيع البشر أن يقرأوه ويتصلوا به فلا يكون هناك مجال التسلط فيه وسيطة باسم الحكم الإلهي على الناس لا لشيء إلا بحجة اطلاعهم أو اختصاصهم بمعرفة ما ليس في مقدرة الآخرين الوصول إليه. كما يجعل العلواني من الحاكمية مفهومًا تحريضيًا حيث يرى أن الحركات الإسلامية هي حركات مثلت امتدادًا لحركات كفاح وجهاد سبقتها، ولكنها فوجئت بأن سائر الأهداف والشعارات التي استعملت في عملية تحريض الأمة وإعادة الفاعلية لها قد أحبطت، فأصيبت بخيبة أمل أدت بها إلى أن تستأنف جهادها وكفاحها بأشكال مختلفة. وبسبب سيادة المفاهيم الغربية للدولة والحكم والسلطة والقوة سادت تصورات خاصة لمفاهيم الدولة القومية ومفاهيم السلطة صاغت تلك المفاهيم وتلك العقول بعيدًا عن المؤثرات الفكرية للتصور الإسلامي. وفي هذا الإطار استأنفت الحركات الإسلامية المعاصرة نضالها في محاولة من الداخل لتحقيق الأهداف التي ما استشهد الآباء إلا من أجلها، وبذلك لجأت الحركات الإسلامية إلى الرصيد الفكري لحركات الإسلام السابقة لتوظيفها في عمليات ثلاث وهي: التحريض وإعادة الفاعلية، والدفع لإعادة التحرك، وإيجاد القوى الفاعلة القادرة على إحداث التغيير باتجاه الأهداف الكبرى."فمما طرح أن هذه السلطات القائمة أو التي جاءت بديلة رغم تمتعها بالأسماء الإسلامية، وانتمائها الظاهري للأقاليم المسلمة التي تحكمها، فإنها أنظمة جاهلية مغتصبة لسلطة لا تستحقها، فتلك السلطة هي سلطة إلهية، وذلك لأن الجماعات لم تستطع أن تقول: اغتصبت هذه الأنظمة سلطة هي أولى