بها أو هي من يستحقها، فكان لابد من إيجاد قيمة عليا أو شيء يمكن أن تتحرك الجماهير باتجاهه، ويرتبط بإيمانها وبمستوياتها المعرفية وقدراتها، فكان طرح أفكار الجاهلية والحاكمية من أهم الوسائل التي يمكن أن تحقق هذا الأمر. أي أن الجاهلبة والحاكمية أفكار استحدثت على المستوى الفكري في إطار الحركة الإسلامية بغرض إيجاد قيمة عليا تتحرك الجماهير باتجاهها. فظهرت فكرة الحاكمية في باكستان على يد أبي الأعلى المودودي وتطورت في مصر على يد سيد قطب، ولهذا يركز العلواني على نموذجي باكستان ومصر، ويرى أن فكرة الحاكمية عند المودودي لصيقة بظروف سياسية وتاريخية، وطرحت في إطار صراعهم وكفاحهم ضد حكومة باكستان، وفي مجال تصحيح الأوضاع فيها بسبب قيام دولة الباكستان، بعد انفصالها عن الهند، وضياع كل الآمال للدولة الإسلامية التي تتوفر على كل المقومات الشرعية في إطار الإسلام. أما فكرة الحاكمية في مصر فلا تختلف عن الباكستان من حيث الظروف على العموم من كونها سياسية وتاريخية، حيث إنّ الإسلاميين ساهموا في عمليات الكفاح ضد المحتل وكانت لهم مساهمات في ثورة عرابي وثورة 1919 وحروب فلسطين، وإسقاط النظام الملكي، ولكن كانت مكافئاتهم في دوائر السجون والمعتقلات والتعذيب والإرهاب. فوظفوا الرصيد الفكري لعمليات التحريض ضد النظام بعد أن اعتبروه قد نكث عهوده ونكل عن وعوده وخان مواثيقه، وبدأت تظهر تلك الأفكار عند عبد القادر عودة في إطار دراسات وكتابات في نقد الأوضاع القانونية والأوضاع السياسية، ثم بدأ سيد قطب طرح أفكاره في إطار مفاهيم الجاهلية والحاكمية برزت في"معالم في الطريق"و"مقومات المجتمع الإسلامي". ... ويرى العلواني أن سيد قطب طور مفهوم الحاكمية إلى درجة عالية في فكره السياسي حتى أصبحت كلمة لا إله إلا الله تعني أن الحاكم الوحيد هو الله تعالى وأن السلطة له. وبذلك يرى العلواني أن فكرة الحاكمية الإلهية أسقطت"كما كانت في تراث الحضارات السابقة وفي مقدمتها التراث اليهودي على هذا النحو الذي طرحه المودودي وسيد قطب رحمهما الله. واعتبر العلواني أن هناك ثلاثة أطراف شاركت في اضطراب هذا المفهوم وهم: الطرف الأول: المودودي وسيد قطب، والطرف الثاني: الإسلاميون الذين شرحوا فكر الرجلين، الطرف الثالث: الإسلاميون الذين استنبطوا المفاهيم الشائعة عن الحكم والدولة وقيم السلطة والشرعية انطلاقًا من آيات القرآن، وخاصة سورة المائدة، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الاضطراب جعل هناك حاجة إلى كثير من عمليات التحليل والتفكيك وإعادة التركيب لئلا يساء فهم الإسلام كله من خلال إساءة فهم هذا المفهوم، كما يرى العلواني أن مفهوم الحاكمية ارتبط بقضايا التوحيد بل أصبح قرين التوحيد، بحيث صارت تسقط كل عناصر أو مقومات العقيدة من ولاء وبراء وسواهما، مما ترتب عليه من سوء فهم واضطراب .. في داخل المجتمعات الإسلامية .. ومن هنا تصبح عملية إعادة ترتيب الأوراق وتصحيح الأوضاع في هذا المجال أمرًا ضروريًا. ... ثالثًا: الحاكمية من النظرة التجزيئية إلى الرؤية التكاملية ... إن المنهجية العلمية تقتضي إعمال الدقة في توظيف المفاهيم واستعمال المصطلحات، وهذه المنهجية تدفعنا إلى تجنب أساليب الإطلاق والعموم، وعدم الاستناد إلى النظرة الأحادية في تقرير الأحكام، التي قد تؤدي بنا إلى نوع من الخلط واللبس وتسوق إلى نوع آخر من الترسبات والتراكمات الخاطئة التي تتحول بفعل جملة من العوامل والأسباب إلى حقائق مسلمة وقواعد متبعة، من الصعب تجاوزها واقعًا أو إهمالها فكرًا، ومن هذا المنزلق يقع المفكرون الإسلاميون في جدليات علمية واسعة، ومخاطبات فكرية مفرغة، سببها سوء توظيف المصطلحات وعدم مراعاة ما يحيط بها من عموم أو خصوص أو إطلاق أو تقييد، ومن هذا المنطلق فإن الحاكمية بوصفها مصطلحًا متداولًا في الفكر الإسلامي المعاصر لا تطلق بإطلاق واحد لتنتج فهمًا أحاديًا، كما أنه ليس لها بعد واحد بحيث تفرز منهاجًا واحدًا لا ثاني له، بقدر ما أن الحاكمية مفهوم ثلاثي الأقطاب بحسب الجهة التي يعود إليها، ومنه فإن مراعاة انفكاك الجهة لمفهوم الحاكمية يعد مفصلًا دقيقًا يجب إعماله عند الحديث عنها، فالحاكمية قد يراد بها حاكمية الله (الحاكمية الإلهية) ، وقد يراد بها حاكمية الوحي (الحاكمية الشرعية) ، وقد يراد بها حاكمية العقل (الحاكمية الإنسانية) ، ولكل واحدة من هذه الأقسام مجال وخصائص وأسس تقوم عليها، وعلى هذا الأساس فيمكن تقسيم الحاكمية من حيث مصدرها إلى أقسام ثلاثة وهي: الحاكمية الإلهية، والحاكمية العقلية والحاكمية الشرعية وهذا الأخير وإن كان قسمًا ثالثًا"