فإنه قسم مخرج على الحاكمية الإلهية ويمثل الجانب العملي والتطبيقي لمفهوم الحاكمية الإلهية، ولكن قبل الحديث عن مصدر الحاكمية والتفصيل في ذلك نشير إلى مسألة مهمة تعد مدخلًا منهجيًا دقيقًا يتحدد معه مصطلح الحاكمية بوضوح في المنظومة المعرفية، وهذا بيان لذلك. ... 1. فك الارتباط بين مبدأ الألوهية ومفهوم الحاكمية ... إن الربط بين مفهوم الحاكميّة ومبدأ الألوهيّة بحيث يصبح المصطلح مركبًا بهذه العبارة"الحاكميّة الإلهيّة"يورد إشكالًا على مستوى المفهوم ذاته، لأن موضوع البحث هو"الحاكميّة"بوصفه مصطلحًا إسلاميًا مجرّدًا عن الإضافة أو النسبة إلى غيره. أما تداول المصطلح بعبارة"الحاكميّة الإلهيّة"فهو سبق تحديد لمجال البحث والدراسة، مما يؤدي إلى إقصاء المفهوم باعتباره مصطلحًا شرعيًّا عامًّا. ومن هنا يأتي السؤال: هل مصطلح الحاكميّة مفهوم له دلالة قاصرة أم متعدية، بمعنى إذا أطلقت عبارة الحاكميّة فهل تنصرف مباشرة إلى الحاكميّة الإلهيّة، أي إلى الله تعالى، أم أن العبارة قد تتناسب مع ألفاظ أخرى وتتزاوج معها؟ ... إن ما هو شائع في الفكر الإسلامي المعاصر هو الربط التلازمي بين مبدأ الألوهيّة ومبدأ الحاكميّة، فلا تطلق الحاكميّة إلاّ ويراد بها حاكميّة الله تعالى. وفي رأيي أن العبارة لها معانٍ لُغويّة متعددة ودلالات اصطلاحيّة مختلفة تجعلها تنسجم مع عبارات أخرى وتتزاوج معها. وليس هناك ما يدل على الارتباط التلازمي بين المبدأين إلاّ في القضايا التي لها تعلق بمبدأ الألوهيّة. أما خارج هذه الدائرة فلا ضيرَ من استخدام المصطلح وتداوله في عبارات معينة حسب السياقات التي يقتضيها النسق المعرفي. خاصة إذا علمنا أن مصطلح الحاكمية بوصفه مصدرًا صناعيًا لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ولا حتى في كلام العلماء المتقدمين، وإنما هو مصطلح ابتدعه المودودي في مرحلة سياسية حرجة كانت تمر بها الدعوة الإسلامية في الهند، وخلال مرحلة التأسيس لدولة الباكستان، فهو أول من ربط بين مفهوم الحاكمية ومبدأ الألوهية في التنظير السياسي، فالربط في أصله كان أساسه النظر والاجتهاد الذي قد يعتريه الخطأ والصواب. وبناء على ذلك فإن الارتباط بين مبدأ الألوهيّة ومبدأ الحاكميّة غير تلازميّ، وإنما هو إضافي احتمالي، والحصر غير حقيقي ولكنه وهميّ منشؤه العادة، وتراكمات استخدام المصطلح في أطر فكرية ضيقة. وبفك الارتباط بين مبدأ الألوهية ومصطلح الحاكمية يتحرر المفهوم من الضيق الذي يعاني منه، والمعاني القاصرة التي ألحقت به، كما يتحرر من الظلال الكهنوتية التي كثيرًا ما توصف بها المنظومة السياسية الإسلامية. ... 2. المداخل المنهجية لبحث مفهوم الحاكمية ... المدخل الأول: المدخل العقدي: لا شك أن للحاكمية أبعادًا عقدية يدركها أدنى متأمل في النصوص الشرعية التي تحدثت عن أوصاف الألوهية، وهذه المعاني تندرج تحت ما يسمى بالحاكمية الإلهية وهذا هو مراد العلماء عند قولهم إن الحاكم هو الله تعالى وهذا عندما يتحدثون عن الحاكم في الفقه الإسلامي، يقول محمد أبو زهرة:"اتفق جمهور المسلمين بل أجمع المسلمون، فإن الإجماع قد انعقد على أن الحاكم في الإسلام هو الله تعالى"فبحث مفهوم الحاكمية من هذا المدخل ينبغي أن يكون بحثًا عقديًا توظف فيه آليات علم الكلام ومباحث علم العقيدة، وينبغي تحليل هذا المصطلح تحليلًا يستمد مادته من علم أصول الدين دون تعدية مختلف معانيه ودلالاته إلى حقول معرفية أخرى وتأسيس الأحكام على ضوئها. ... المدخل الثاني: المدخل السياسي: أكد علماؤنا المتقدمون على كون الإمامة والسياسة من فروع الشريعة لا من أصولها، يقول الإمام الجويني:"إن الكلام في الإمامة ليس من أصول الاعتقاد."ويقول الإمام الغزالي:"إن نظرية الإمامة ليست من المهمات، وليست من فن المعقولات فيها بل من الفقهيات. والنظريات قسمان: قسم يتعلق بأصول القواعد وقسم يتعلق بالفروع، وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله، وبرسله وباليوم الآخر وما عداها فروع، والخطأ في أصل الإمامة وتعيينها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجب شيء منه التكفير". ويقول ابن تيمية:"إنها ليست من أركان الإسلام الخمسة ولا من أركان الإيمان الستة". فقضايا الإمامة والسياسية والدولة وأجهزتها وسلطاتها ومؤسساتها من فروع الدين لا من أصوله، وعلى هذا الأساس لا ينبغي سحب مفهوم الحاكمية الإلهية بدائرتها العقدية إلى الدائرة السياسية، ولكن ينبغي تكييف هذا المصطلح تكييفًا سياسيًا وقانونيًا يجعله ينسجم مع طبيعة البحث الفقهي السياسي،