الصفحة 14 من 17

وسبقت الإشارة إلى أن أنسب مصطلح هو حاكمية الوحي أو حاكمية الشريعة، لأن الغالب في هذا المجال هو جانب التقنين والتشريع لضبط حركة المجتمع وتحديد طبيعة العلاقة بين السلطة الحاكمة والمحكومين وصلاحيات كل طرف وحدود سلطاته المخولة له، فتدخل الشريعة الإسلامية بوصفها قوانين ولوائح وأحكامًا سائدة وحاكمة لضبط مختلف قوانين الدولة وتحديد صلاحيات مختلف السلطات، بدءًا بالدستور ورئاسة الدولة وانتهاء بأبسط قانون وأدنى موظف. ... المدخل الثالث: المدخل الفكري: ونعني بذلك أن للحاكمية بعدًا آخر ضمن الدائرة الفكرية والفلسفية القائمة على التأمل والتفكر والنظر والاجتهاد وقدرات العقل ومجال إعماله في مختلف دوائر البحث. وهنا تأتي مسألة إضفاء صفة الحاكمية على العقل بين غلو المدرسة الاعتزالية ووسطية جمهور أهل السنة، وسبب ذلك النظر إلى دور العقل ووظيفته استقلالًا أو بتسانده مع النقل. ... 3. أقسام الحاكمية ... تنقسم الحاكمية إلى ثلاثة أقسام هامة وهي: حاكمية الله تعالى الذي يتحدد من خلالها مبدأ الخلق والإيجاد ومبدأ التأسيس والتشريع، وحاكمية الوحي وهو الوجه العملي للحاكمية الإلهية والجانب التطبيقي للإرادة الإلهية وفيها تظهر مقاصد الخلق ووظيفة المخلوق كما تعتبر القانون الضابط للعلاقة بينهما، وحاكمية الإنسان الذي يتحدد من خلالها مبدأ الاستخلاف والاستعمار حسب ما تقتضيه حاكمية الله. ... حاكمية الله (الحاكمية الإلهية) : يمكن تقسيم الحاكمية الإلهية إلى الحاكمية التكوينية والحاكمية التشريعة فبهما يتم المعنى الكامل لمفهوم هيمنة الخالق على الوجود. ... فالحاكمية التكوينية تقتضي الانقياد لله تعالى في السنن الكونية، بفهمها والانسجام معها، والحاكمية التشريعية تقتضي طاعة الله تشريعًا، والانقياد له في جانب الأحكام، وذلك بجعل مبادئ الإسلام وقوانينه وتشريعاته، وقيمه وآدابه وأخلاقه من جهة، والتصورات عن الله والكون والإنسان والحياة من جهة أخرى، أساسًا للتفكير ومنطلقًا للحركة والاستخلاف في هذه الحياة. ... حاكمية الوحي (الحاكمية الشرعية) : حاكمية الشرع معناها سيادة الوحي (القرآن والسنة) على كافة الأحكام والقوانين وهيمنته على الشرائع المختلفة، سواء كانت أرضية أو سماوية، وهي منشئة لغيرها من الأحكام حاكمة عليها بالاعتبار أو الإلغاء. ومن هنا يمكن اعتبار الوحي ميثاقًا أعلى يتضمن المبادئ العليا للشريعة الإسلامية، ويترتب على الحاكمية الشرعية أن الحاكم من حيث التكوين والتشريع هو الله تعالى، وأنّ الوحي مصدر جميع الأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها، وسيادة الشريعة الإسلامية وسموها على ما سواها، وخضوع الدولة بسلطاتها وأجهزتها، ومؤسساتها لقواعد ومبادئ الشريعة الإسلامية العامة، وصفة الإلزام في قوانين التشريع الإسلامي، ومواطأة الأحكام الاجتهادية للمبادئ العامة للشريعة الإسلامية وموافقة مقاصدها العامة وقواعدها الكلية، مبدأ أساسي يتضمنه معنى السيادة الشرعية، وأخيرًا افتقاد القيمة القانونية للقوانين والأحكام التي تعارض المبادئ العامة للشريعة الإسلامية. ... حاكمية العقل (الحاكمية الإنسانية) ... قد يتحرج البعض من هذا الإطلاق ومن عملية الربط بين الحاكمية والعقل، وقد يكون هذا راجعًا إلى الإسقاطات التاريخية التي ترتد إلى أذهان بعض المفكرين بسبب ما عاشه الفكر الإسلامي في صدره الأول حين ساد الفكر الاعتزالي والذي رفع أصحابه شعار العقل حتى وصفوا بالمذهب الحر، وبعيدًا عن تلك المحاكاة والإسقاطات فليس ثمة دليل من القرآن أو السنة أو الإجماع أو القياس على نفي هذا الإطلاق، كما لم ينقل عن أحد من العلماء المعتبرين في النظر والاجتهاد نفي هذا الترابط بين مصطلح الحاكمية والعقل الإنساني، بل من خلال ما تتبعناه للدلالات التي يحملها هذا المصطلح في لغة العرب وفي الأصول الشرعية تبين لنا مدى غزارة مادة الحاكمية وشمولية إطلاقه حسب السياق والمقام الذي يوظف فيه. بل ما نلحظه هو وجود نوع من الحاكمية العقلية على النص بالاعتبار أو الإلغاء في بعض مجالات النظر الاجتهادي، ونقصد هنا النص النبوي ويتضح هذا في مجال علوم الحديث حيث إن المحدثين وضعوا جملة من الشروط على صحة اعتبار الحديث منها عدم مناقضة نص الحديث لصحيح العقل، وإلا حكم عليه بالإلغاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت