الصفحة 15 من 17

والإبطال، فالعقل هنا حاكم على النص. ومن أمثلة ذلك الحديث الصحيح الذي رواه عبد الرزاق عن عائشة قالت: كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب يتشرفن للرجال في المساجد فحرم الله عليهم المساجد وسلطت عليهن الحيضة". قال أستاذنا محمد أبو الليث الخير آبادي:"هذا كما ترون موقوف على السيدة عائشة رضي الله عنها ولكنه في حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه مما لا يقال من قبل الرأي كذا قال ابن حجر، لا يستقيم في العقل أن حيضة بني إسرائيل سلطت عليهن عقوبة لا جبلة والمعروف لدى الجميع أن الحيضة مما كتبه الله على المرأة كما تدل عليه الروايات". كما تتضح أيضًا حاكمية العقل على النص الشرعي في مجال تفسير النصوص، وتظهر الصورة واضحة في تخصيص العام حيث ذهب علماء الأصول إلى تعداد جملة من المخصصات المنفصلة وذكروا منها العقل، أي أن العقل يخصص النص سواء كان قرآنًا أو سنة. ... ولا نعني بحاكمية العقل على النص هنا تقديم العقل على النص في كل حال، وتجاوز العقل لمأخذ النقل وإلا بطلت الشريعة كما يقول الشاطبي. بل نعني بحاكمية العقل أن للعقل سلطانًا معتبرًا وحاكمية دلت عليها الأصول الشرعية في كثير من نصوص الوحي، والتي في أساسها تدعو إلى التفكر والتعقل والتأمل، فاستحق العقل هذه الحاكمية بهذا الاعتبار، يقول الله تعالى:"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" (فصلت: 35) ، فهذه الآية وعد من الله تعالى، وفي الوقت ذاته دفع العقل نحو التفعيل لكشف هذا الوعد، وذلك بالاتجاه نحو الكون الفسيح لكشف أسراره وسننه وقوانينه، وإذا كان العقل هو تلك القوة الإدراكية المعيارية في الإنسان التي على أساسها حمل أمانة الخلافة والتي على أساسها خوطب بالوحي ليتحمله فهمًا وتطبيقًا. يمكن إدراك القيمة العظيمة للعقل الإنساني باعتباره محور هذا الخطاب الإلهي، تلقيًا وفهمًا وتنزيلًا، وهو أساس الوحي ودليله وحاميه وكاشف مقاصده، ولهذا نجد كثيرًا من الآيات تحث على النظر العقلي وإعمال الفكر، وربط الأسباب بالمسببات والانتقال من المقدمات إلى النتائج ومن المعاليم إلى المجاهيل، للوصول إلى الفهم السليم والاستنباط الصحيح، قال الله تعالى:"قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون" (الأنعام: 6) ، وقوله:"أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق و أجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون" (الروم:30) ، وقد ورد في القرآن الكريم ثمانية عشر نصا قرآنيا في التفكر والدعوة إليه، أما العقل والدعوة إليه وبيان ضرورة الأخذ به وذم المجانبين له فقد بلغت في القرآن الكريم قرابة الخمسين آية. ... يقول القرطبي:"والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكاليف وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعث الرسل وأنزلت الكتب فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء". ... مجال الحاكمية العقلية (النظر العقلي) ... النظر العقلي بإعمال الفكر قصد التوصل إلى مطلوب على نوعين الأول هو النظر في الكون المنظور. وفي هذا المجال للعقل السلطان الكامل والنظر المطلق في الإعمال والتفكير والتأمل، والكشف والاستدلال، وربط المقدمات بالنتائج والكليات بالجزئيات، والوسائل بالمقاصد ونحو ذلك مما تقتضيه سعة الأفق في النظر الكوني، بتوظيف طاقات الفكر والروح والنفس، لأجل مقصد يتمثل في اكتشاف سنن الله تعالى في الكون والتعرف على النواميس التي تحكم الوجود والمجتمع والنفس. قال الله تعالى:"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ". (فصلت: 53) . وعلى الناظر في الكون المنظور قصد قراءته تفكرًا وتدبرًا للتعرف على قوانينه والنواميس التي تحكمه، أن يستعين بجملة من الوسائل التي تكون له عونًا لتحقيق غايته والوصول إلى مراده، وهذه الوسائل هي: التعقل، التفكر، التدبر، التأمل، الملاحظة، تصور الاحتمالات والحالات بالافتراض العلمي، استنباط الجزئيات من الكليات وإدراك الكليات من النظر في الجزئيات، قياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض، إجراء أعمال التحليل والتركيب والجمع والتفريق، إدراك النسب بين المعاني والمدركات، إدراك الروابط بين المعلولات وعللها العقلية، وبين المسببات وأسبابها المنطقية، وآثار الأشياء ونتائجها المنطقية المستندة إلى العلة العقلية أو السبب المنطقي، إدراك الأحكام العامة من خلال ملاحظة التجارب المتكررة، ولو لم يكن بين السبب والظاهرة ارتباط عقلي. وبهذا المنهج يمكن للمتأمل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت