الصفحة 16 من 17

في هذا الكون أن يحقق مقاصد الآيات القرآنية التي دعت إلى النظر في الآفاق. كما يهدف القرآن من وراء دعوة العقلاء إلى النظر في هذا الكون إلى جملة أهداف منها: اكتشاف علة هذه المحسوسات، ومعرفة مصدر هذا الكون، وإدراك آثار القدرة الإلهية في الوجود، واكتشاف سر خلق الإنسان وحقائق الظواهر الكونية، والسر الناظم بين الحقيقة الإنسانية والحقيقة الكونية، ليتهيأ هذا المخلوق، لمهمة الاستخلاف، والعمارة. ... أما النوع الثاني فهو النظر في الوحي المقروء: ونعني به النظر الاجتهادي في النصوص الشرعية، وهو إما أن يكون اجتهادًا استنباطيًا ويسمى كذلك بالاستدلالي، أو القياسي، وهو كما يعرّفه الغزالي: بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة. وعرّفه الشوكاني بقوله: بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط. ونجد في هذا النوع من الاجتهاد حضور البعد القياسي، ببذل الوسع والجهد للتوصل إلى استنباط حكم شرعي من النصوص الشرعية أو القواعد الكلية، ومدار هذا الاجتهاد النص الظني الدلالة، كما أن العملية الاجتهادية عملية عقلية فكرية تروم فهم مراد الشارع المضمر في النص الشرعي معتمدًا جملة من الأدوات البحثية والقواعد المنهجية. ... وإما أن يكون اجتهادًا تطبيقيًا وهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله. وهذا النوع من الاجتهاد لا ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة. وهذا هو الاجتهاد الذي يعني بتنزيل الأحكام الشرعية وإيقاعها، ومدار هذا الاجتهاد النص القطعي والظني، كما أن العملية الاجتهادية عملية تطبيقية تتشوف إلى مآلات التنزيل يتم فيها ربط الوحي بالواقع المعاش، وهي مرحلة دقيقة حرجة"ذلك لأن الأحكام التي جاء بها الوحي وعقلها العقل أحكام عامة تضبط ما ينبغى أن تكون عليه أفعال الإنسان بحسب أجناسها .. وهذه الأفعال الإنسانية الواقعية على درجة كبيرة من التعقيد في أسبابها ودوافعها، وفي تأثرها وتأثيرها، مما يجعل حقائقها تتردد بين الوضوح أحيانًا وبين الخفاء أحيانًا أخرى، فيظهر بينها التشابه من حيث إنها مختلفة بالحقيقة، كما يظهر بينها الاختلاف من حيث إنها متفقة بالحقيقة". ... إنّ النظر الاجتهادي ببعديه الاستنباطي والتطبيقي يتخذ بعدًا تكامليًا تتناسق فيه القواعد المنهجية الاجتهادية كأدوات بحثية مع الأدوات التطبيقية كمسالك تنزيلية، فـ"ليس الاجتهاد في التفهم والاستنباط بأولى من الاجتهاد في التطبيق إن لم نقل أن قيمة الاجتهاد عمليًا إنما تنحصر فيما يؤتى من ثمرات في تطبيقه تحقق مقاصد التشريع وأهدافه في جميع مناحي الحياة". ... وهكذا فإن الحاكمية العقلية تتحقق بإعمال الفكر في الوحي المقروء، وبتمعن العقل في الكون المنظور، وبذلك يقع التكامل المعرفي الذي به يتم تحقيق الاستخلاف الحضاري المنشود، والوحي المقروء يتمثل في الكتاب المتلو وهو القرآن الكريم، المحدد لغاية الحق من الخلق، المنبه على السنن الحاكمة لهذا الوجود، الموضح للمنهج والشرعة، والحقائق الأساسية. والكون المنظور يتمثل في هذا الخلق والكون بدءًا من الإنسان، وبهما توجد المعرفة الحضارية الكاملة التي تمكن الإنسان من القيام بمهام الاستخلاف، وأداء مهمة الاستخلاف وأداء حق الأمانة، والقيام بمقتضيات العمران، فالقرآن يقود إلى النظر في الكون، والكون يقود إلى النظر في القرآن، وهذا ما أطلق عليه بعض المفكرين المعاصرين بالجمع بين القراءتين، قراءة الوحي وقراءة الكون،"قراءة تبدو غيبية في إطار الوحي في الكون، وقراءة موضوعية من خلال الكون وعناصره في الوحي، فقراءة الوحي بمثابة تنزل من الكلي إلى الجزئي، وبما تتيحه القدرات البشرية النسبية من الفهم لتنزلات الكلي، وقراءة الكون بمثابة تطلع من الجزئي باتجاه الكلي وفق قدرات البشر النسبية أيضًا على فهم الظواهر، فلا يقع الفصام المزعوم بين معطيات الوحي ونتائج المعرفة الموضوعية. ... والمتأمل في العلاقة بين الوحي والعقل يجد أنه ليس هناك تعارض بين النقل والعقل، وإنما التعارض إشكالية وهمية أثيرت في الفكر الإسلامي إثر جملة من الظروف الموضوعية أحاطت بالفكر الإسلامي اضطر من خلالها العلماء الخوض في هذا الباب، وأثارته بوصفه إحدى المباحث الجدلية التي شغلت الفكر الإسلامي، وظهرت فكرة التعارض بين العقل والنقل وتطورت على إثر تأثر الفكر الإسلامي بالفكر اليوناني والفلسفة الإغريقية، وما يحمله هذا الفكر من نظريات في الوجود والمعرفة مخالفة لما عليه دلالات الوحي والنصوص. فضلًا عن الحيثيات الموضوعية الكامنة في ظواهر نصوص"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت