وإنما ذكرناهُ لاسم الاستخلاف وأنه يستدعي الغَيبة، والاستخلافُ والاستنابةُ لا تستدعي الغَيبة، فالنائبُ قد يقومُ مقامَ المُستنيب في حضوره، وأمّا الخليفةُ فإنما يكون مقامَ المُستخلِفِ في غَيبته وتعذُّره، فالخليفةُ إذا استنابَ كان نائبه كالوكيل تنقطعُ [29] نيابتُه بموتهِ على التفصيلِ والخلافِ في انعزالِ نائبِ الإمامِ والخلع إذا خلعَ الخليفةُ نفسَه لم يكنْ له أن ينصبَ غيره إلا باتفاق أهلِ الحَلِّ والعَقد، واجتماع إمامين المحذور منه إذا كانا مستقلين لما يحذر من اختلافهما،
وقوله: جعلته خليفة بعد موتي لفظٌ محتملٌ يَخرجُ منه ما قاله من معنى الوصية، وما قلناه من القسم الخامس.
والفرقُ بينهما أنَّ معنى الوصية تعليق جعله خليفة بالموت، والقسمُ الخامسُ لا تعليقَ فيه، بل هو يَتخيرُ لجعلهِ خليفة قائمًا مقامَ الخليفة عند تعذُّر نظيرِه في الحياة وبعد الممات.
ويظهرُ أثرُ هذا في أنه لو تعذَّرَ نظرُ المُستخلف بشيءٍ لا يقتضي انعزالَه فللخليفة النظرُ في القسمِ الخامسِ الذي ادّعيناهُ دون ما إذا لم يحصُلْ إلا لفظُ الإيصاءِ المُعلقِ بالموت لأنه لم يحصُلْ شرطُه.
وجُوِّزَ هذا القسمُ الخامسُ لفعلِ أبي بكر -رضي الله عنه-، واجتماعِ الناسِ إليه، والحاجةِ الضرورية إليه، لأنَّ نصبَ الإمامِ من الأمُورِ العظيمةِ في الدِّين، فاقتضتْ المصلحةُ الكليةُ الضروريةُ صحةَ ذلك، مع فعلِ أبي بكر -رضي الله عنه- وعمر -رضي الله تعالى عنه- اللذين قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حقِّهما:"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"-إنْ صحَّ هذا الحديث-، وإلا فالمعنى صحيح. وجعلت التولية بهذا المعنى منجزة في الحال وما بعد الممات مانعًا [30] لما في الحياة متصلًا به فلا يتخلل بينهما انقطاع، بل يكون وقتَ موتِ المُستخلف خليفته قائم مقامَه، بخلافِ الوصية المُجَرَّدة، وكون زمن الموت خاليًا عن الإمام.
وأمّا عهدُ عمر -رضي الله تعالى عنه- لأهل الشورى فلا أحفظُ إلا قولَهُ -رضي الله عنه-:"لا أعرفُ أحدًا أحقَّ بهذا الأمر مِنْ هؤلاء النفرِ الستةِ الذين تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ"، فوقف الصحابةُ -رضي الله تعالى عنهم- عند قولهِ، لمعرفتهم بذلك، لأنه كان أعلمَ الناس بذلك، فاقتصروا عليهم، لأنهم أحقُّ مِنْ غيرهم قطعًا، وبقول عمر، وأما أنا [] [31] يقول [32] : إنَّ عمرَ عهدَ إلى أحدِ الستة كما