يقتضيهِ كلامُ الرافعي وغيرهِ فليس في كلامِ عمرَ تصريحٌ بذلك، بل هو تبرّأ مِنْ أنْ يتحمَّلها حيًا وميتًا، وقال قولًا حقًا لا ريب فيه، وهو أنَّ الستة أحقُّ مِنْ غيرِهم، فانحصرَ الأمرُ فيهم، لأحقيتهم، لا بعهدِهِ، لكن عرفنا أحقيتهم وتبينها [33] إلينا منه -رضي الله عنه-.
وهذا ليس مِنْ مقصودِنا في هذه المسألة، ولكنه جاءَ استطرادًا، والمقصودُ أنَّ الاستخلافَ جائزٌ، وهو نوعٌ من النزولِ عن الوظائف، لكنه للحاجةِ الداعيةِ إليه لمصلحةِ المسلمين على العمُوم، ولو أنه نزلَ لشخصٍ في حياته، وولاه، وخلعَ نفسَه، وفعلَ ذلك دفعةً واحدةً: فالظاهرُ أنّه لابُدَّ مِنْ نظرِ المُسلمين في ذلك، على أنّي أقولُ: إنَّ عهدَ أبي بكرٍ إلى عمر، وعهدَ عمرَ إلى أهلِ الشورى، وعهدَ سليمان بنِ عبدِالملك إلى عمرَ بنِ عبد العزيز، ثلاثةُ أمورٍ لا نظيرَ لها، فلا يُطمَعُ في مثلها، ولا نقيسُ عليها غيرَها.
أمّا أبو بكرٍ وعمرُ فلأنهما هُما المَرآن نقتدي بهما.
وأمّا عمرُ بن عبدالعزيز فلأنّه ثالثُهما.
وغيرُهم يتبع فيه نظرُ المسلمين.
لكنْ يصحُّ عهدُ كلِّ إمامٍ للضرورة، والتحرُّز عن هيجانِ الفتنة، ثم المسلمون ينظرون: إذا كان فهم مطاع دينًا عالمًا وعدم غرض ولا خشية فتنة فمن استقام استقيم به، ولا نخرج بذا من طاعة، ولا يخرجها من فرقة [34] .
وليس النزولُ عن الوظائفِ الجزئيةِ التي لا فتنةَ فيها في شيءٍ مِنْ هذا القبيل.
وكذلك القضاء لم نجدْ أحدًا عملَ ذلك فيه -أعني أنه نزلَ عنهُ ويستحقُّه المنزولُ له- لأنَّ ذلك ممّا يُراعى فيه مصلحةُ المسلمين، نعمْ إذا رضيَ القاضي لشخصٍ يكونُ مكانَهُ فظهرَ باجتهادِ الإمامِ أنَّ ذلكَ مصلحةٌ للمسلمين لا ضررَ عليهم فيه جازَ له توليتُه.
واللهُ أعلمُ.
هذا آخرُ"اللطائف في النزول عن الوظائف".
[قال السيوطي] : وفي آخره بالهامش ما صورتُهُ: