الصفحة 6 من 13

فيه نظرٌ، والأقربُ الأولُ لأنه لم ينزلْ مطلقًا، وإنما نزلَ بشرطٍ ولم يصحَّ، وهذا مُطَّردٌ في النزول بعوضٍ وبغيرِ عوضٍ، فالنزولُ لمَنْ يساوي النازلَ باطلٌ قطعًا، والنزول لمَنْ يساويه بموافقةِ الناظرِ صحيحٌ بغير عِوض، فالناظرُ إمّا أنْ يولي المنزولَ له، وإمّا أنْ يبقيه للنازلِ لا يجوزُ على المذهب [19] ، وفيه احتمالانِ على رأي أبي إسحاق. والله تعالى أعلم.

وأمّا حقُّ التحجر فيجوزُ نقلُه بلا خلافٍ، ولا يجوزُ بعوضٍ في الأصحِّ خلافًا لأبي إسحاق، وقد أتقنتُ المسألةَ في بابِ إحياءِ المَواتِ من"شرح المنهاج"، والحق فيها استحقه المتحجرُ بفعلهِ مِنْ جهةِ الله تعالى لا حكم عليه لأحدٍ فكذلك حل الذي ينقله إليه محله، وليس كالوظائفِ التي يتوقفُ فيها على الناظرِ والحقُّ فيها متعلقٌ بغيرها.

وأمّا حقُّ المقذوف فقريبٌ منه، ويفترقانِ في أنه لا ينتقلُ لأجنبي.

وحقُّ الشفعة قريبٌ منه، ويفترقانِ في أنه لا يُنقلُ بغيرِ عِوض، لأن كلًا مِن الشفعاء يثبتُ له على الكمال.

وحقُّ الردِّ بالعيب يوافقهُ [20] في اقتضاءِ الفورية.

وكلُّها حقوقٌ خاصة لا حقَّ فيها لسائر المسلمين، وكذا مقاعدُ الأسواق، والمساجد، والربط المسبلة، ونحوها، وليس خلافُ أبي إسحاق جاريًا فيها، والظاهرُ أنه لا يجوزُ الاعتياضُ عنها بلا خلافٍ، لأنها لا عين ولا منفعة كما أشار إليه الشافعيُّ في تعليلِ امتناعِ العِوضِ عن حقِّ القسم، وحقُّ الوظائفِ مثلُه.

والنقلُ عن أبي إسحاق ومخالفته للأصحاب في حقِّ التحجر، وحدِّ القذف، والشفعة معروفٌ، وربما قيلَ في الردِّ بالعيب.

وأمّا بقيةُ المسائل فليس بمنقولٍ، ولا شكَّ أنَّ حقَّ الوظائف يُشْبهُ حقَّ التحجُّر مِنْ جهة الحقِّ الذي لصاحبها منها، وإنْ كانت الوظائفُ تتوقفُ على تولية، ولكل واحدٍ من النازلِ والمنزولِ له غرضٌ قويٌّ في المُعارضة في ذلك، فإنْ صحَّ قولُ أبي إسحاق في التحجرِ وجوازِ بيعه فليصحَّ مثلُه في النزول عن الوظائف بعِوضٍ إذا رضيَ الناظرُ، وذلك أمرٌ مقصودٌ في العُرف جدًا بعد استجماعِ شروطهِ من الأهليةِ وغيرِها التي تحتاجُ إلى نظرِ الناظرِ فيها.

وقد كنتُ أرى أنَّ ذلك قريبٌ جدًا، ورُبَّما أفتيتُ به، وبلغني مثلُ ذلك عن الشيخِ الإمامِ برهانِ الدين بن الفركاح، وعن والده الشيخ تاج الدين عبدالرحمن الفزاري -رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت