الأمر الثاني: أنَّ هذا الحقَّ لا يُمكنُ هبتُهُ لكلِّ أحدٍ، وإنما يوهَبُ للزوجِ، أو لزوجةٍ أخرى، ولا يمكن [13] هي نقلُه لأجنبيةٍ، لا بهبةٍ ولا بغيرِها، لأنها لا يمكنها استيفاؤُه.
الثالث: أنه أمرٌ لازمٌ مُسْتَحقٌّ بالزوجية، ليس ممّا يقبلُ الفسخَ كحقِّ الوكالةِ، ونحوِه.
الرابع: أنه حقٌّ في ذاتِ الزوجِ، وما يحصلُ بينه وبين ذاتِ الزوج من الأُنسِ والاستمتاعِ، وهو أمرٌ خاصٌّ لا يَعْدُوهما، وليس كحقِّ التحجر الذي هو أمرٌ في غير جارحة [14] ، وكذا الشفعة، والردُّ بالعيب، ولا كحقِّ القذف الذي هو ضربُ بدنٍ آخر.
الخامس: أنه لا حقَّ لغيرِ الواهبةِ، والزوجِ، والزوجةِ الأخرى فيه، وليس كالوظائفِ التي فيها حقٌّ لسائرِ المسلمين، أو لبعضِهم، فعلمنا أنَّ قياسَ الوظائف على حق القَسْم لا يجوزُ، لا بعِوضٍ ولا بدونهِ.
ولو قال قائلٌ: أقيسُهُ عليه في النزولِ بغيرِ عوضٍ لاشتراكِهما في ترْك الحقِّ. ثم أستدلُّ على العِوضِ مِنْ مكانٍ آخر، أو أقتصرُ على دعوى صحة النزُول بغير عوضٍ.
قلنا: صحةُ النزولِ بغيرِ عوضٍ بمعنى سقوطِ الحقِّ لا نزاعَ فيه، لأنه أمرٌ جائزٌ، له إسقاطُه، والإعراضُ عنه متى شاءَ بلا خلافٍ.
وأمّا صحتُه بمعنى أنّه يصيرُ المنزولُ أحقَّ به من غيره فإنْ لم يشاركه المنزولُ له في الصفاتِ المُقتضيةِ لاستحقاقِ تلك الوظيفة فلا شكَّ أنه لا أثرَ للنزولِ فيه، كما لو وهبت الزوجةُ حقَّها من القَسْم لغيرِ زوجةٍ.
وإنْ شاركه في الصفاتِ المُقتضيةِ للاستحقاق، فإنْ لم يكن يتوقفُ على توليةِ ناظرٍ، كحقِّ التحجر، فلا خلافَ في جواز الإيثارِ به، ويصيرُ المؤثر به أحقَّ به مِنْ غيرِه، فلا حاجةَ إلى قياسهِ على حقِّ القَسْم.
وإنْ توقَّفَ على توليةٍ: فيُحتمل أنْ يُقالَ: إنه يصيرُ الناظرُ كالزوج، والمنزولُ له كالزوجة الموهوبة، لكلٍّ منهما حقٌّ، فيجوزُ بالهبة، كالقَسْم، والتحجُّر، ويجوزُ بالبيع برضى الثلاثة، لأنه لا غررَ فيه لسقوطهِ بالكلية، كحقِّ التحجُّر عند أبي إسحاق.
وهذا الاحتمالُ إنما يجيءُ على رأي أبي إسحاق، وأمّا على المذهبِ فلا يظهرُ بهذا أنَّ أخذَ العِوضِ بذلك -أعني عن الوظائف- على المذهبِ باطل قطعًا [15] .
وعلى قولِ أبي إسحاق يُحتمل [16] أنْ يجوز، ويُحتمل [17] أنْ لا يجوز، ويُحتمل ذلك إذا أمضاهُ الناظرُ، أمّا عند عدم إمضائهِ فلا يجوزُ قطعًا، ولكنا هل نقول [18] يبقى حق النازل، أو يسقط بالكلية ويولي الناظرُ في الوظيفة مَنْ شاء؟