الصفحة 4 من 13

وإنْ وهبتْ حقَّها للزوج فهل له أنْ يُخصِّص واحدةً بنوبةِ الواهبةِ؟

فيه وجهان:

أشهرُهما: نعم.

والثاني: المنعُ، لأنه يُظْهِرُ الميلَ، ويُورِثُ الوحشةَ.

وللواهبة أن ترجعَ متى شاءتْ، ويعودُ حقُّها في المستقبل، لأنها هبةٌ لم تتصلْ بالقبض، وما مضى لا يؤثِّرُ فيه الرجوعُ، وكذا ما فاتَ قبلَ علمِ الزوجِ بالرجوع لا يؤثرُ فيه الرجوعُ، ولا يُقضى. نصُّ الشافعي والأصحاب.

وفيه وجهٌ أنه يُقضى تخريجًا مِنْ أنَّ الوكيلَ هل ينعزلُ؟

والظاهرُ الأولُ، وشبهه بما إذا أباح ثمارَ بستانهِ لإنسانٍ، ثم رجعَ، وتناولَ المُباحُ له بعضَها قبل العلمِ بالرجوعِ، وفي هذه الصورةِ طريقان:

قيل: قولان كعزل الوكيل.

وقيل: يغرمُ قطعًا.

واتفقَ الأصحابُ تبعًا للشافعيِّ على أنه لا يجوزُ أنْ تأخذَ الواهبةُ على المُسامَحة بحقِّها عوضًا، لا مِنَ الزوجِ، ولا مِنْ بعضِ الضرائر، وإنْ أخذتْ فعليها الردُّ وتستحقُّ القضاءَ، لأنَّ العِوَضَ لم يُسلَّمْ إليها.

وعن حكاية ابن كج وجهٌ أنها لا تستحقُّ القضاءَ.

إذا عرفتَ هذا فاعلمْ أنَّ في الحقِّ أمورًا [11] :

أحدها: أنه لا يسقطُ بهذه الهبة، لأنه مُسْتَحَقٌّ بالزوجية يتجدَّدُ بتجدُّد الزمان، فلا يمكن سقوطُهُ ما دامتْ الزوجية، فهو كنفقةِ الزوجة لا تسقطُ بوجه فرق بينهما [12] إلا أن النفقةَ مالٌ، وهذا ليس بمالٍ، ومِنْ ههنا امتنعَ أخذُ العِوضِ عنه، ولا يجري فيه خلافُ أبي إسحاق حيثُ أجازَ بيعَ حقِّ التحجُّر وما في معناه مِنْ حدِّ القذفِ، والشُّفعةِ، والردِّ بالعيب، لأنَّ ذلك حقوق تَسقط كلُّها بالإسقاط، وهذا الحقُّ -وهو استحقاقُ القسم- لا يسقطُ بوجهٍ، ولو جوَّزنا أخذَ العِوَض عنه لكان بيعًا غيرَ موثوقٍ به، وإذا كان بيعُ الغرر منهيًا عنه فهذا أعظمُ منه، فاستحالَ أخذُ العِوَضِ عنه، بخلافِ الهبةِ، فإنها في معنى الإباحةِ، وليست الهبةُ هنا كهبةِ ما يجوزُ بيعُهُ، وإنما هي رضى بحلولِ الموهوبةِ مكانَ الواهبةِ في الاستيفاءِ، أو رضى الواهبةِ بأنَّ الزوجَ يُحِلُّ محلَّها مَنْ شاء، أو يستأثرُ بنفسهِ فيما هو مُسْتَحَقٌّ لها عليه، لا معنى للهبةِ هنا غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت