ومنها ما يكون استحقاقُهُ لصفةٍ في نفسه مِنْ غير توليةٍ، كولايةِ الأبِ على ابنهِ.
وأنا -إنْ شاء اللهُ تعالى- أذكرُ ما وجدتُهُ مِن ذلك فيه نقلٌ، وأتصرَّفُ في الباقي بما يفتحُ اللهُ تعالى به، فأقولُ وباللهِ التوفيقُ:
أمّا حقُّ القَسْم للنساءِ ففي الحديثِ الصحيحِ أنَّ سَودَة بنتَ زمْعة زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم وهبتْ نوبتَها لعائشة -رضي الله عنهما- تبتغي بذلك رضا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم [3] [فكان] [4] يقسم لثمان، وكان لعائشة -رضي الله عنها- يومان: يومها ويوم سودة، وفي ذلك نزل قولُه تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا) ، ولا نعرفُ في ذلك خلافًا أنه يجوزُ بغير عِوضٍ ماليٍّ، ولا يجوزُ بعِوضٍ ماليٍّ.
قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- في"الأم":"فيحلُّ للرجلِ حبسُ المرأة على تركِ بعضِ القَسْم لها، أو كلِّه، ما طابتْ به نفسُها".
قال الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه-:"ولو أعطاها مالًا على أنْ تحلله مِنْ يومها وليلتها فقبلتْ فالعطيةُ مردودةٌ عليه، غير جائزةٍ لها، وكان عليه أنْ يعدلَ لها أنه يوفيها بما [5] تركَ من القَسْم لها، لأنَّ ما [أعطاها] [6] عليه لا عين مملوكة ولا منفعة".
قال:"ولو حللتْ فوهبَ لها شيئًا على غير شرطٍ كانت الهبةُ لها جائزة، ولم يكن له الرجوعُ [فيها] [7] إذا قبضتْها، وإنْ رجعتْ [هي] [8] في تحليله فيما مضى لم يكنْ لها، وإنْ رجعتْ في تحليله فيما لم يمضِ كان لها، وكان عليه أنْ يعدلَ لأنها لم تملكْ ما لم يمضِ، فيجوز تحليلُها له فيما ملكتْ" [9] . فهذه ثلاث مسائل:
هبتُها مجانًا صحيحةٌ.
هبتُها بمالٍ باطلةٌ.
وهبتُه لها مالًا بغير شرطٍ جائزٌ.
لكنْ عندي أنَّ ذلك إنما يكون ظنيًا إذا لم يَعلمْ أنه لو لم يهبْ لم يطبْ قلبُها بالتحليل، وإلا فهو في معنى العِوَض، ويُحمَلُ كلام الشافعيِّ على ما إذا طابَ قلبُ كلٍّ منهما بفعله مِنْ غير عوض، بل مجازاة، كما يقعُ في المُثيب والواهب وإن لم يهب [10] على شرط العوض ولا قصده بحيثُ لا يطيبُ قلبُه بخروجِ الهبةِ عنه بدونه، وذكرَ الأصحابُ أيضًا ما ذكرَهُ الشافعيُّ وقالوا إنه لا يُشترطُ في هذه الهبة رضى الموهوبة وقبولُها، بل يكفي قبولُ الزوج، وعن الحناطي وجهٌ غريبٌ في اشتراط رضاها.