بالسواك مع كل صلاة» [1] فالسواك مندوب ونفى أن يكون مأمورا به، فدل ذلك على أن الأمر المطلق لا يُحْمل على الندب والاستحباب وإنما يُحْمل على الوجوب، هناك من يحاول التشكيك في دلالات الألفاظ ويشترط أن يكون معها قرائن بحيث يقول: لا يدل اللفظ على أمر إلا إذا جاء معه قرينة، هذا منطلق من معتقد أشعري في تفسير الكلام، حيث قالوا بأن الكلام هو المعاني النفسية، أما الأصوات والحروف فليست هي الكلام ومن ثم الأمر هو المعنى النفسي ولا يكون اللفظ أمرا إلا بما يحتف به من القرائن، هذا كلام خاطئ يخالف الأدلة السابقة ويخالف لغة العرب، فإن العرب يفهمون من صيغة الأمر الطلب الجازم بمجردها ولا يحيجونهم إلى قرينة، ولذلك يعدون المخالف للأمر عاصيا، ولا يعارضون العقوبة التي تكون على مخالف الأمر، إلا أنه قد توجد قرائن تحتف بالأمر تصرفه عن الأصل وتجعله بدل أن يدل على الوجوب يدل على معنى آخر، فمن أمثلة ذلك: قول الله جل وعلا {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [2] ، فإن كلمة (اشهدوا) فعل أمر صرفناها عن الوجوب وقلنا بأنها للاستحباب لأنه ثبت عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد باع ولم يُشْهِد، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يترك واجبا، فحملنا الأمر هنا على الندب، وقد يكون الأمر محمولا على الإباحة كما في قوله جلّ وعلا {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [3] فإن أول هذه الآية منعت المُحْرِمِين ومن كان في الحرم من الصيد لقوله تعالى {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [4] ثم قال تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} حللتم: أي أصبحتم حلالا، فارتفع عنكم حكم الإحرام وتركتم مكان الحرم (فاصطادوا) أي يجوز لكم الصيد، وليس الأمر للوجوب، لماذا صرفناه عن الوجوب؟ لأن الأمر هنا قد جاء بعد الحظر، والأمر بعد الحظر يُعِيْد الأمر كما كان عليه سابقا، والصيد كان مباحا حُرِّم من أجل الإحرام ثم أُمِر به بعد الإحرام فيعود الصيد لما كان عليه من الإباحة، ومن هنا نعلم أن صرف للأوامر عن
(1) صحيح البخاري (887) .
(2) البقرة: 282.
(3) المائدة: 2.
(4) المائدة: 1.