ذلك أن يراد الدليل كما يقال أصل هذه المسألة الكتاب والسُّنَّة يعني دليلها، ويطلق لفظ الأصل ويُراد به القاعدة المستقرة ثم يقال: الأصل براءة الذِّمَّة، ويطلق لفظ الأصل يراد به ما يقاس عليه غيره ويُلحق به في الحكم لاجتماعهما في المعنى الذي من أجله شرع الحكم، وهناك معان أخر تراد بلفظ الأصل، ولا يمتنع عن أن يكون المعنيان الأوليان هما المراد هنا أن المراد أصول الفقه وأن المراد بالأصول الأدلة والقواعد التي يستنبط بها من الأدلة، وتقدم معنا ان هذه القواعد ليست خاصة بالفروع الفقهية فتشمل جميع علوم الشريعة، فقوله هنا الفقه: ليس المراد به علم الفروع، بل المراد به جميع ما يشمل أحكام الشريعة، وهذا قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» [1] فنقول هل هذا خاص بالفروع؟ نقول: لا، حتى العقائد والتفسير والحديث تدخل في هذا؛ الحديث النبوي الكريم، ولذلك قال الإمام أبو حنيفة: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها وشاهده من كتاب الله عزَّ وجلَّ {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [2] ، قال: وأصلها، أي أصل هذه الأدلة أربعة، أولها: الكتاب: المراد به القرآن الكريم، وهو أصل الأصول ومنطلق الأدلة، وثانيها: السُّنَّة وهو ما ورد عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنه صلّى الله عليه وسلّم لا ينطق عن الهوى، وأما ثالثها: فالإجماع والمراد به اتفاق علماء الشريعة الفقهاء في عصر من العصور على حكم شرعي، لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد أخبر أنه «لا تزال طائفة من أمتي على الحق» [3] فإذا اتفقت الامّة على قول فمعناه أن هذا القول هو الحق ليكون الحق باقيا في الأمّة ويصدق الحديث النَّبويّ السابق، وأما الرابع: فالقياس والمراد به إلحاق مسألة لم نجد نصا لها بمسألة منصوصة بحيث يُجعل حكمهما واحدا، وذلك لأن المعنى الذي اقتضى الحكم في الصورة الثانية يوجد في الصورة الأولى، وقد اختلف العلماء في القياس هل هو دليل شرعي أو أنه قاعدة للفهم والاستنباط، فطائفة قالوا: هو دليل لأننا نثبت به أحكاما في وقائع لم يرد لها حكم في الأدلة الأخرى،
(1) صحيح البخاري (71) .
(2) التوبة: 122.
(3) صحيح البخاري (3640)