المعنى: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا، ومفهومه جواز الأكل إذا لم يكن فسقًا، والفسق مفسَّر بقوله تعالى) أو فسقا أهل لغير الله به) وعليه؛ فتحمل الآية على جواز أكل ما لم يسم عليه غير الله. وهو مذهب السادة الشافعية، واستبعد أبو السّعود جعل الواو في قوله تعالى: (وإنه لفسق) عاطفة؛ لتخالف الجملتين بالإنشاء والخبر .
مناقشة أبي السعود:
يبقى هنا سؤال: ما مسوغ استبعاد الحالية في قوله تعالى: (وإنه لفسق) من الجهة النّحوية؟ أبو السّعود لم يبين المسوغ، وترك الباب مفتوحًا للبحث فيه، ولا أظن أنه استبعد الحالية من جرا الفقه حسب، بل ثمة جهة نحوية تحسن الإشارة إليها.
قال بعض العلماء: يَرِدُ على كونها حالا، التوكيد بـ (إنّ) واللام في قوله (وإنه لفسق) لأن هذه المؤكدات تحسن فيما قُصد الإعلام بتحققه البتة، والحال ههنا واقعة في النهي، وقد تقرر أن الحال الواقعة في الأمر والنهي مبناها على التقدير، فوقع التنافي.
فربما حمل هذا الوجه أبا السعود على استبعاد الحالية، واختيار الاستئناف. وفي هذا رد على اختيار الشافعية؛ ويجاب عن هذا الاعتراض، بأن جهة التأكيد غير جهة التقدير؛ فلا يقع التنافي، وذلك أن التحقق الناتج عن التأكيد منصب على حكم هذا النوع من الفسق، وهو ما أُهلّ لغير الله به، وهذا مناسب للحكم، أما التقدير فمنصب على كون المأكول من هذا النوع الذي قد تحقق حكمه أو لا، فكأنه قيل: لا تأكلوا منه إذا كان من هذا النوع من الفسق الذي الحكم فيه متحقق ، وأما اختياره الاستئناف، فيرد عليه أن الأصل بالواو أن تربط ما بعدها بما قبلها ، لذلك يظلّ وجه الحالية في قوله تعالى: (وإنه لفسق) مقبولًا مسوّغًا؛ وعليه مذهب الشافعية.
التطبيق النحوي في الفروع الفقهية: تشييد المباني الشافعية بالقواعد اللغوية (ج 6)
المسألة السادسة
في قوله تعالى: (أو لحم خنزير فإنه رجس) ، اختلف العلماء في عود الضمير في قوله (فإنه) ، وعليه فقد اختلفوا في نجاسة عين الخنزير أو لحمه، فمنهم من ذهب إلى نجاسة عين الخنزير، لذلك جعل الضمير عائدًا إلى الخنزير، وقد علّل أصحاب هذا المذهب هذه المسألة، بأن الضمير إذا احتمل العود إلى شيئين، كان عوده إلى الأقرب أرجح، وعارضه أبو حيّان الأندلسي في تفسيره، بأنّ المُحدّث عنه إنما هو اللحم، وقد جاء ذكر الخنزير على سبيل الإضافة إليه.
وعليه فقد قرّر هؤلاء العلماء أنّ الضمير إذا سبقه مضاف ومضاف إليه، وأمكن عوده على كل منهما، فإنه يعود على المضاف، لأن المضاف هو محل الحديث، والمضاف إليه وقع ذكره بطريق التبع، لتعريف المضاف أو تخصيصه. وأرى أنّ القاعدة بحاجة إلى مزيد من الضبط لتشمل سياقات أكثر، فقد يكون المحدّث عنه هو