الصفحة 3 من 10

ومن العلماء من قال: إن التبعيض لا يفهم من الحرف، بل من معنى الكلام، وإنما يقال: إن الحرف يعطي معنى، إذا كان المعنى لا يفهم إلا من الحرف ؛ وعليه فتكون الباء ههنا، أيضا، من جملة المدلول عليه، لا الدليل.

وقد تكون هذه الاعتراضات حملت أبا السعود على اختيار الأصل في الباء؛ فاختار معنى الإلصاق الذي لا يقتضي عنده استيعاب الرأس عند المسح، ولكن هذا لا يسلم من اعتراض؛ لأن ماسح بعض الرأس لا يطلق عليه أنه ملصق المسح بالرأس، إنما يطلق عليه أنه ملصق المسح ببعض الرأس. على ما حققه أبو حيّان الأندلسي .

التطبيق النحوي في الفروع الفقهية: تشييد المباني الشافعية بالقواعد اللغوية (ج 4)

المسألة الرابعة:

قرئ قوله تعالى في الآية ذاتها (وأرجلِكم) بالجر ، فجعله بعض العلماء من باب الجر على الجوار،"وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صبّ الماء عليها، ويغسلها غسلا قريبا من المسح"، وذلك أن مذهب العلماء غسل الرجل لا مسحها.

مناقشة وتذنيب:

قد يرد على القول بالجر على الجوار أنه في نفسه ضعيف، مختلف في صحته، وقد أنكره بعض العلماء ، فيجب تنزيه كلام الله عنه، ثم إنهم اشترطوا في الجر على الجوار الأمن من الالتباس، كقولهم: (جحرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) ، فمن المعلوم أن الخرب لا يكون نعتًا للضب، وهذا الأمن غير حاصل في هذه الآية، ثم إنّ الخفضَ على الجوار لا يكون في النسق؛ لأن حرف العطف يمنع من التجاور .

التطبيق النحوي في الفروع الفقهية: تشييد المباني الشافعية بالقواعد اللغوية (ج 5)

المسألة الخامسة:

في قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) قال أبو السّعود: إن الآية ظاهرة في تحريم متروك التسمية عمدًا كان أو نسيانًا، ثم ذكر مذهب إمامه أبي حنيفة (ت 150 هـ) ، في التفريق بين العمد والنسيان في ترك التسمية، إذ يُحرّم أكل متروك التسمية عمدا، ولا يحرم المتروك نسيانًا ، ثم عدّ أبو السّعود قوله تعالى: (وإنه لفسق) جملة مستأنفة، وقيل حالية، فكأنه يميل إلى تضعيف الحالية فيها، ويقدم الاستئناف، وهذا منسجم مع ما قرره سابقًا من التحريم؛ لأنه بالاستئناف لا يخصص النهي، فيظل التحريم على إطلاقه. أما باختيار الحالية، فإنه من المقرّر أن الحال وصف لصاحبها قيد في عاملها، فيتخصص بها النهي، وعليه فيكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت