فاصل، بخلاف قوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل)، فإن النهار منفصل عن الليل انفصالًا محسوسًا، والغاية هنا متميزة بانفصال محسوس بين النور والظلمة .
التطبيق النحوي في الفروع الفقهية: تشييد المباني الشافعية بالقواعد اللغوية (ج 2)
المسألة الثانية:
والبحث هنا في الآية نفسها، إذ اختلف الفقهاء أيضا في حكم ترتيب أفعال الوضوء ، وذلك للاختلاف فيما تقتضيه واو العطف من الترتيب والنسق، أو الجمع مطلقًا، وذهب بعض العلماء إلى أفضلية الترتيب لا إلى وجوبه ، وعليه فالواو عندهم لا تفيد الترتيب والنسق .
وقد يكون تمسك القائلين بوجوب الترتيب بحرف الفاء في قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) أنسب من حيث الاستدلال؛ لأنه يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه، إذ إن الفاء للتعقيب، وإذا وجب الترتيب في هذا العضو، وجب في غيره؛ إذ لا فرق .
التطبيق النحوي في الفروع الفقهية: تشييد المباني الشافعية بالقواعد اللغوية (ج 3)
المسألة الثالثة:
في قوله تعالى في الآية ذاتها (وامسحوا برؤوسكم) ، اختلف العلماء في مقدار الممسوح من الرأس، وسبب اختلافهم ما في حرف (الباء) من الاشتراك في لغة العرب، فمن العلماء من عدّها زائدة؛ فقال بوجوب مسح الرأس كاملًا، ومنهم من عدّها للتبعيض؛ فقال بوجوب مسح بعض الرأس . وقد ذكر أبو السّعود هذه الأقوال في تفسيره، ثم جعل التحقيق فيها أنها تدل على الإلصاق، فكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب عنده، كما يقتضيه لو قيل: وامسحوا رؤوسكم، فإنه كقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) ؛ وعليه فهو يثبت مذهب الحنفية القائل بوجوب مسح بعض الرأس .
تذنيب ونقاش:
من العلماء من أنكر أن تكون الباء للتبعيض، ومنهم أبوالفتح ابن جني. قال:"فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي، رحمه الله تعالى، من أن الباء للتبعيض؛ فشيء لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثَبَت". وهذا القول فيه نظر، فقد أثبت التبعيض في الباء: الأصمعي (ت 210 هـ) ، وابن قتيبة (ت 276 هـ) ، وأبو علي الفارسي، شيخ ابن جني، والكوفيون ، وفي هذا رد كاف على أبي البقاء العكبري في قوله:"وقال من لا خبرة له بالعربية: الباء في مثل هذا للتبعيض، وليس بشيء يعرفه أهل النّحو".