فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 21

هواه كائنًا من كان، سواءٌ أكان صحيحًا أو باطلًا، فهذا سماعٌ لغير ما بعث الله به رسوله، فإن الله إنما بعث رسوله بالهدى ودين الحق" [1] ."

وهذا الانحراف الاستدلالي بجعل الخلاف في منزلة الدليل الذي أخذ يستشري اليوم بين بعض المتفقهة ليس انحرافًا جديدًا وليد هذا العصر، بل قد نبّه إلى خطورته ومنافاته للشريعة بعض الأصوليين، ومن أقوالهم في ذلك:

قال الباجي منكرًا تكرر مثل هذا الانحراف لدى المستفتِين بسبب ضعف إنكاره:"وكثيرًا ما يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها: لعلّ فيها رواية؟ أو لعلّ فيها رخصة؟ وهم يرون أنَّ هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به ولا طلبوه مني ولا من سواي، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتدّ به في الإجماع أنَّه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحلّ لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنَّه حقّ، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه، وإنَّما المفتي مخبرٌ عن الله في حكمه، فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنّه حكَم به وأوجبه، والله تعالى يقول: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [2] ، فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي" [3] .

وذكر الشاطبي ذلك حيث قال:"وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدودًا في حجج الإباحة" [4] ، وقبله الغزالي فقد ذكر أن تخير أطيب المذاهب وأسهل المطالب بالتقاط الأخف والأهون من مذهب كل ذي مذهب محال [5] .

(1) مجموع الفتاوى 28/ 198.

(2) من الآية رقم (49) من سورة المائدة.

(3) ينظر: الموافقات 4/ 506 - 507.

(4) الموافقات 4/ 141.

(5) ينظر: المنخول ص 494.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت