فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 21

وبعد عرض آراء الأصوليين في المسألة وبيان أدلتهم فإنني أخلص إلى الآتي:

أولًا: أنه لا يصح الاحتجاج بالخلاف واعتباره دليلًا على جواز الأخذ بأي قول شاء، وذلك لأنه خلاف المنهج الذي أُمرنا به عند الاختلاف وهو الرد إلى الكتاب والسنة، كما أنه ذريعةٌ إلى العمل بالهوى والتشهي فيأخذ بما يشتهي من الأقوال لكون المسألة خلافية، وقد ورد النهي عن اتباع الهوى، وجاءت الشريعة بإخراج المكلَّف عن داعية هواه، ومن يحتج بالخلاف فقد جعله وسيلة إلى اتباع هواه لا وسيلة إلى تقواه، فأين العمل بالنص ممن يحتج بالخلاف، وأفضى به إلى الأخذ بالأقوال الشاذة وتتبع رخص المذاهب المنهي عنه، وإلى ترك اتباع الدليل إلى تتبع الخلاف، وذكر الشاطبي أن كلًا من المجتهدين متبع لدليل عنده يقتضي ضد ما يقتضيه دليل الآخر، فاتباع أحدهما بالهوى اتباعٌ للهوى، ولو جاز تحكيم التشهي والأغراض في مثل هذا لجاز للحاكم وهو باطل بالإجماع [1] ، وقد تبين بطلان الشبهات التي احتج بها من أجاز الاحتجاج بالخلاف.

ثانيًا: أن الواجب في المسائل الخلافية هو الأخذ بما يقتضيه الدليل الشرعي، والعمل بالقول الراجح إذا كان مجتهدا، أو تقليد من يثق بدينه وعلمه إذا كان مقلدًا، وعدم الترجيح بالهوى والتشهي، وليس الخلاف مسوغًا للتخيير بين الأقوال، فالواجب هو اتباع الحق، وتعظيم النصوص، وترك الأخذ بالهوى والتشهي وتتبع شواذ الأقوال، وألا يجعل دينه تبعًا لهواه وما يشتهيه، قال ابن تيمية:"فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة وبالعلم، لا بالهوى" [2] ، ويقول:"من التزم"

(1) ينظر: الموافقات 4/ 501.

(2) مجموع الفتاوى 20/ 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت